كتب : حسيبة صالح -سوريا
يتصاعد الوعي العالمي… وسوريا تواجه ارتفاعًا مقلقًا في سرطان الثدي
يتقدّم الوعي الصحي خطوة جديدة في دمشق كلما فتح المنتدى الاجتماعي أبوابه لمحاضرات تُعنى بصحة النساء، في قاعة الطلياني، حيث قدّم الدكتور نوري المدرس لقاءً توعوياً حول الكشف المبكر عن آفات الثدي، محاضرة بدت أشبه بجرعة معرفة مُنقذة، لا مجرد عرض طبي عابر.
في بداية اللقاء، وضع المدرس إطاراً عاماً للمرض، مؤكداً أن سرطان الثدي هو الأكثر انتشاراً بين النساء في سوريا، وأن سيدة من كل عشر سيدات معرّضة للإصابة، مع تسجيل نحو خمسة آلاف حالة جديدة سنوياً. هذه الزيادة، كما أوضح، ليست حدثاً معزولاً، بل نتيجة عوامل متشابكة تبدأ من التلوث البيئي، وتمرّ عبر سوء استخدام الهرمونات، وتصل إلى السمنة الزائدة التي تُعدّ أحد أبرز محفزات المرض.
وتوقّف المدرس عند القصة العائلية بوصفها عاملاً لا يمكن تجاهله؛ فالإصابة قد تأتي من الأصول أو الفروع، بينما تلعب الطفرات الجينية دوراً حاسماً في رفع احتمالات المرض، إذ إن زيادة هذه الطفرات تعني زيادة مباشرة في نسبة الإصابة. كما أشار إلى أن الفترة الهرمونية الطويلة في حياة المرأة، أو تناول الهرمونات بشكل غير منظم، تُعدّ من العوامل المؤثرة بقوة.
ولم يغفل المدرس الحديث عن الكحول والتدخين، باعتبارهما من العوامل التي ترفع احتمالات الإصابة، إضافة إلى حقيقة أن المرأة تُصاب أكثر من الرجل بنسبة ٩٩ إلى ١، وأن تقدّم العمر يزيد من احتمالات ظهور المرض.
ثم انتقل إلى محور بالغ الأهمية: الأورام الحميدة، موضحاً أن بعض السيدات اللواتي لديهن أورام حميدة قد يكنّ أكثر عرضة للإصابة لاحقاً، ما يجعل المتابعة الطبية ضرورة لا خياراً.
وفي جانب الوقاية، شدّد المدرس على أن التغذية عنصر أساسي، وأن تخفيف الدهون الحيوانية واللحوم الحمراء، ومراقبة هرمونات الإستروجين بإشراف طبي، واعتماد الحمية الشرق أوسطية—التي يراها الأطباء الفرنسيون والبريطانيون من أفضل الحميات—كلها عوامل تساعد في تقليل المخاطر. هذه الحمية تعتمد على زيت الزيتون والخضار واللبن، وتبتعد عن الدهون الثقيلة. أما الرياضة، من مشي وسباحة، فتبقى ركيزة لا غنى عنها.
وفي محور الكشف المبكر، أوضح المدرس أن سرطان الثدي لا يكون مؤلماً في بدايته، وأن ليس كل تورّم سرطاناً، ما يجعل الفحص الذاتي ضرورة شهرية. وأكد أن على السيدة أن تفحص نفسها بعد أسبوع من انتهاء الدورة الشهرية، أما بعد انقطاعها فعليها اختيار يوم ثابت كل شهر. كما أوصى بفحص سنوي أو نصف سنوي لدى طبيب مختص، على أن تُسجّل نتائج كل فحص للمقارنة.
وتناول المدرس الجدل الدائر حول الماموغرافي والإيكوغرافي، مشيراً إلى أن بعض الدول الأوروبية—مثل سويسرا التي أوقفت الماموغرافي لثلاثة أشهر، وألمانيا التي تحدّه لمن هم فوق السبعين—تتخذ قرارات تختلف عن السياق المحلي، حيث تبقى هذه الفحوص الوسيلة الأكثر أماناً للكشف المبكر. لذلك، فإن الأحوط هو إجراء ماموغرافي ثم إيكوغرافي بشكل دوري.
أما الواسمات الورمية التي تُسحب من الدم، فشرح أنها نوعان: عامة ومتخصصة. العامة غير نوعية ولا تُغني عن الفحص الذاتي أو الشعاعي، بينما المتخصصة قد تشير إلى سرطان الثدي أو البروستات أو الكولون، وتُستخدم غالباً لمتابعة العلاج لا للتشخيص الأولي.
وفي سياق التفاعل مع الجمهور، جاء سؤال عن الرضاعة الطبيعية، فأكد المدرس أنها عامل وقائي مهم. أما سؤال الزواج المبكر، فأجاب بأن الفترة المثالية للحمل تقع بين ١٨ و٢٥ عاماً، لما تحمله من تأثيرات هرمونية إيجابية على صحة الثدي.
ولم تكن المحاضرة علمية فقط؛ فقد حملت قصصاً إنسانية مؤثرة.
السيدة ملك كازون روت كيف تجاهلت “خربطات نسائية” عام ٢٠٠٤ قبل أن تكتشف إصابتها، لتخوض عملية عاجلة وعلاجاً صعباً، لكنها خرجت منه بإيمان ومحبة لأولادها، وبقوة داخلية دفعتها إلى نشر الوعي والانضمام للجمعية السورية للسرطان، ولا تزال تُجري ماموغرافي سنوياً.
أما السيدة لمياء، فحكت كيف قادتها حالة عصبية إلى اكتشاف كتلة كانت نتيجة جرعات هرمونية تناولتها رغبةً في الإنجاب، لتبدأ رحلة علاج كان الدعم العائلي فيها بوابة الشفاء.
ومع حلول الشهر الوردي في أكتوبر، تتجدد الدعوة إلى أن تكون هذه المحاضرات جزءاً من ثقافة المجتمع، وأن يكون الكشف المبكر عادة لا حملة، لأن الوقاية قد لا تكون ممكنة دائماً، لكن الاكتشاف المبكر ينقذ حياة.
