كتب : بقلم: د. سيما حقيقي
للنفس البشرية قدرة عجيبة على التعايش مع ما يثقلها. تعتاد الأشياء حتى تلك التي تؤلمها، وتتعلم كيف تمنحها مكانا في تفاصيل يومها، إلى أن يصبح وجودها جزءا من إيقاع الحياة، ويغدو التخلص منها أكثر إثارة للخوف من احتمال بقائها.
وربما كانت الألفة أحيانا أكثر ما يربك قدرتنا على الاختيار. فما اعتدناه يكتسب مع الوقت سلطة خفية علينا، ويصبح مألوفا إلى الحد الذي يجعلنا نتمسك به، حتى حين نشعر أن شيئا في أعماقنا بدأ يتغير.
تبدأ الحكاية عادة بشعور صغير، يتسلل بين انشغالاتنا اليومية. شيء من الضيق يصعب تحديد مصدره، أو سؤال يعود كلما ظننا أننا تجاوزناه. نحاول تجاهله، فننجح لبعض الوقت، ثم نجده في انتظارنا عند أول لحظة هدوء.
ومع الأيام، تتسع المسافة بين ما نعيشه وما نشعر أنه يناسبنا، حتى نجد أنفسنا أمام مواجهة طال تأجيلها.
هناك، تبدأ تلك المفاوضات الصامتة بين العقل والقلب، وبين ما نريده وما نعرف أن علينا فعله.
وقد تستمر هذه المفاوضات زمنا أطول مما نتوقع. فالعقل يستحضر الوقائع، بينما تستدعي الذاكرة ما ارتبط بها من مشاعر وتفاصيل. نتذكر ما كان جميلا، ونستعيد ما آلمنا، ثم نحاول أن نجد بينهما مساحة تسمح لنا بالبقاء دون أن نخسر شيئا من أنفسنا.
وتزداد الحيرة حين يتعلق الأمر بعلاقة امتدت سنوات، أو عمل استثمرنا فيه الكثير، أو حلم ظل يرافقنا حتى أصبح جزءا من صورتنا عن المستقبل. فالتخلي عن شيء منحناه من أعمارنا قد يشعرنا بأننا نتخلى عن جزء من تاريخنا الشخصي.
ولهذا نمنح بعض الاختيارات فرصا إضافية، ونؤجل الحسم بانتظار ما قد يتغير. وربما نكون في أعماقنا قد أدركنا الحقيقة، لكننا نحتاج إلى وقت حتى تصبح مشاعرنا قادرة على تقبلها.
وفي هذه المرحلة، يتداخل التفكير مع الخوف، وتبدأ النفس في البحث عن مبررات تخفف عنها وطأة التناقض بين ما تدركه وما تتمسك به.
ويشير علم النفس إلى أن الإنسان قد يعيش حالة من التنافر المعرفي حين تتعارض قناعاته مع سلوكه أو رغباته، فيحاول أحيانا إعادة تفسير الوقائع حتى يحتفظ بشيء من الاتساق الداخلي. وقد يتشبث باختيار سابق بسبب ما استثمره فيه من وقت وجهد، رغم أن الاستمرار أصبح أكثر كلفة عليه.
ومع طول التردد، تتحول المسألة إلى استنزاف ذهني وشعوري. تتكرر الأسئلة، وتتزاحم الاحتمالات، ونجد أنفسنا نعيد التفكير في التفاصيل نفسها، كأن الإجابة ستتغير إذا نظرنا إليها من زاوية أخرى.
وقد يمتد هذا الصراع إلى أبسط تفاصيل الحياة. يتراجع التركيز، ويضطرب النوم أحيانا، وتصبح لحظات الهدوء فرصة جديدة لاستئناف الحوار الذي لم نحسمه مع أنفسنا.
والمفارقة أن الإنسان قد يخشى ما سيحدث بعد اتخاذ القرار، بينما يعيش بالفعل تحت وطأة ما يحدث بسبب تأجيله.
ثم تأتي مرحلة مختلفة، تتغير فيها طبيعة الأسئلة.
بعد أن كنا نسأل أنفسنا عما يمكن فعله للإبقاء على الأمور كما هي، نبدأ بالتساؤل عن الثمن الذي ندفعه مقابل استمرارها. نراجع ما خسرناه من وقت وطمأنينة، وننظر إلى المستقبل الذي ينتظرنا إن بقينا في المكان نفسه.
وقد يكون هذا التحول بطيئا، ينمو مع التجارب والمواقف الصغيرة، حتى نصل إلى لحظة نشعر فيها أن الصورة أصبحت واضحة بما يكفي.
أحيانا تأتي هذه اللحظة بعد خيبة أخيرة، وأحيانا في صباح عادي، دون حدث يستحق الذكر. نستيقظ فنجد أن شيئا في داخلنا قد استقر، وأن ما ظللنا نناقشه طويلا فقد قدرته على إثارة الحيرة نفسها.
كأن القرار كان ينضج في أعماقنا طوال تلك المدة، ونحن ننتظر اللحظة التي نستطيع فيها الاعتراف به.
وعندما نصل إلى الحسم، قد نفاجأ بهدوئنا.
تختفي الحاجة إلى مراجعة التفاصيل، وتتراجع الرغبة في البحث عن إجابات جديدة. يصبح اهتمامنا منصبا على ما ينبغي فعله، وعلى كيفية التعامل مع النتائج التي ستترتب على اختيارنا.
وقد تحمل الأيام الأولى بعد القرار مشاعر متناقضة. نشعر بالارتياح لأننا حسمنا أمرا أثقلنا طويلا، ثم يزورنا الحنين إلى ما اعتدناه، أو شيء من القلق أمام المساحة الجديدة التي تركها التغيير.
فحتى القرارات التي نصل إليها عن قناعة قد تحتاج إلى وقت حتى تتكيف معها مشاعرنا.
تخف حدة التفكير المتكرر، ويستعيد الذهن قدرته على الانشغال بأمور كانت تمر أمامنا دون أن نمنحها انتباهنا. نعود إلى تفاصيل يومنا بحضور أكبر، وربما نستقبل صباحا دون ذلك السؤال الذي اعتاد أن يسبقنا إلى اليقظة.
وأحيانا نفاجأ بمقدار الخفة التي نشعر بها، كأن ثقلا ظل مستقرا في صدورنا قد انزاح، حتى إننا نتساءل كيف استطعنا حمله كل ذلك الوقت.
وتبدأ علاقتنا بالماضي في التغير أيضا.
تظل الذكريات في مكانها، لكن أثرها يصبح مختلفا. نستطيع أن نتذكر ما كان جميلا دون أن نتجاهل ما كان مؤلما، وأن ننظر إلى تجربتنا بقدر أكبر من الوضوح، بعيدا عن الرغبة القديمة في إعادة ترتيب أحداثها.
وقد نكتشف أن بعض ما تمسكنا به طويلا كان مرتبطا بالصورة التي صنعناها له في أذهاننا، أكثر من ارتباطه بما أصبح عليه في الواقع.
فحين نتخذ قرارا بعد مراجعة صادقة، ونقبل تحمل تبعاته، تنمو في داخلنا ثقة مختلفة. نشعر بأننا أصبحنا أكثر قدرة على حماية اتزاننا، وأكثر وعيا بما نستطيع احتماله وما ينبغي أن نضع له حدا.
وتلك الثقة تمنحنا قدرا من الاستقلال الشعوري، فنصبح أقل حاجة إلى انتظار تغير الآخرين أو تبدل الظروف حتى نشعر بالاطمئنان.
وقد تبقى بعض الخسارات مؤلمة، وربما تعود إلينا لحظات من الشك أو الحنين. فسلام ما بعد القرار لا يسير دائما في خط مستقيم، وقد يحتاج إلى وقت حتى يستقر.
كما أن الشعور بالراحة وحده لا يكفي للحكم على صواب كل قرار؛ فقيمته تتضح أيضا من الأسباب التي استند إليها، ومن أثره في حياتنا مع مرور الوقت.
ننتظر أحيانا أن تتغير الظروف، أو أن يمنحنا الآخرون سببا جديدا للاستمرار، بينما يحدث التحول الحقيقي في أعماقنا. تتغير نظرتنا إلى الحياة، وتفقد بعض الأشياء مكانتها القديمة، حتى نصل إلى مرحلة نرى فيها ما اعتدناه بعين مختلفة.
وحين نعود بذاكرتنا إلى تلك اللحظة التي اتخذنا فيها القرار، ندرك أن الحسم كان نهاية رحلة طويلة من التغير الداخلي، وأننا كنا نقترب منه مع كل مرة ظننا أننا ما زلنا عاجزين عنه.
وقد تمضي السنوات، وتبهت تفاصيل تلك المرحلة، ويبقى في داخلنا أثر اللحظة التي امتلكنا فيها شجاعة الاختيار. لحظة تغيرت بعدها علاقتنا بأنفسنا، واختلفت نظرتنا إلى ما يستحق أن نمنحه ما تبقى من أعمارنا.
فالحياة… أحيانا تبدأ ما بعد القرار.
