كتب : : د. سيما حقيقي
تحت المطر
غريبٌ كيف تبقى الوجوه ذاتها… بينما تتغير معرفتنا بها.
ملامح لم تتبدل، أصوات نعرفها، وأسماء اعتدنا حضورها في تفاصيل أيامنا، ثم تمرّ بنا لحظة واحدة تجعلنا نعيد النظر في مشهد ظننا طويلًا أننا نحفظه جيدًا.
كأن الحياة تغيّر زاوية الضوء فجأة، فتظهر في الصورة تفاصيل كانت موجودة منذ البداية، لكننا لم نرها.
يكبر أحدهم في أعيننا بموقف لم يكن مطالبًا به.
ويصغر آخر، رغم كل المساحة التي منحناها له.
وتتبدل المسافات دون خصام، وتتراجع أسماء من مواضع ظنناها ثابتة، وتولد أخرى من موقف عابر قد لا يعرف صاحبه أنه غيّر به شيئًا عميقًا في داخلنا.
فالإنسان لا يعرف دائمًا حقيقة من حوله في الأيام التي تسير كما يشتهي.
في الأيام الهادئة، تتشابه الوجوه كثيرًا. الحضور سهل، والكلمات متاحة، والوعود لا تكلّف أصحابها شيئًا.
حتى تأتي أيامنا الثقيلة.
عندها ننشغل بما يحدث داخلنا؛ نختبر قدرتنا على الصبر، ونبحث في أعماقنا عما يكفي من الإيمان والقوة كي نواصل الطريق، ونحسب أن الامتحان كُتب لنا وحدنا.
ثم يحدث شيء لم نكن ننتبه إليه…
تبدأ الحياة، في الجهة الأخرى من الأزمة، بطرح أسئلتها على كل الذين يقفون حولنا.
وهناك…
نعرف من كان معنا حقًا.
فالأزمات تملك ميزانًا مختلفًا للبشر.
لا تسأل كم عامًا عرفناهم، ولا كم مرة قالوا إنهم يحبوننا، ولا كم وعدًا وضعوه في أيدينا حين كانت الحياة بخير.
إنها تضع الجميع أمام موقف. والمواقف، على بساطتها أحيانًا، تعرف كيف تقول ما عجزت عنه سنوات من الكلام.
قد يأتيك السؤال ممن لم تتوقع أن ينتبه. وقد تأتيك يد من آخر حسبته بعيدًا. وقد تجد شخصًا يزيح جزءًا من أعبائك بصمت، دون أن يسألك أحد عن حجم ما فعل، ودون أن ينتظر منك امتنانًا يليق به.
وفي الجهة الأخرى، قد تنتظر صوتًا تعرفه جيدًا…
فيطول الصمت… ويصبح الغياب نفسه إجابة.
فليس كل غياب في الأزمات انشغالًا، وليس كل صمت حيادًا. بعض المواقف تقول بوضوح ما تجنبت الكلمات قوله طويلًا.
وهنا يصبح الوجع مضاعفًا.
وجع ما نمر به، ووجع المعرفة الجديدة التي جاءت معه.
فالخذلان حين يأتي من بعيد لا يهدم في داخلنا الكثير، أما حين يأتي من مكان كنا نظنه آمنًا، فإنه لا يؤلمنا بسبب الموقف وحده؛ إنه يهز الصورة التي بنيناها، ويجعلنا نعود إلى تفاصيل كثيرة مضت، نتأملها بعين مختلفة، ونسأل أنفسنا كيف مررنا بكل تلك الإشارات دون أن نفهمها.
وربما لهذا تكون بعض الأزمات فاصلة في حياتنا.
ندخلها بخريطة للناس، ونخرج منها بخريطة أخرى.
أسماء تتقدم، وأسماء تتراجع. وأشخاص كانوا على هامش أيامنا يصبحون فجأة في قلب الذاكرة، لأنهم عرفوا كيف يكونون حاضرين في اللحظة التي كان للحضور فيها معنى.
فالوقوف إلى جوار إنسان في أزمته ليس دائمًا إنقاذًا كبيرًا.
أحيانًا يكون رسالة في وقتها، سؤالًا صادقًا، اتصالًا قصيرًا، أو زيارة لم تُطلب.
يدًا تمتد إلى تفصيل صغير كان أثقل مما يبدو.
أو حضورًا هادئًا يقول للآخر، دون خطب طويلة: أنا أراك، وأعرف أنك تمر بوقت صعب، ولن أجعلك تعبره وكأنك غير مرئي.
وقد تكون هذه التفاصيل الصغيرة هي التي تبقى طويلًا بعد أن تنتهي الأزمة. فالإنسان في أيامه الثقيلة لا يحصي الكلمات، وإنما يحفظ في داخله أثر الذين مرّوا بتلك الأيام معه.
يتذكر من حفظ له كرامته وهو متعب، من اقترب دون فضول، من أعانه دون أن يستعرض عطاءه.
ومن فهم أن بعض المساندة تحتاج قلبًا حاضرًا أكثر مما تحتاج حلولًا.
ومثلما تكشف الأزمات جمال بعض البشر، فإنها تمنحنا شجاعة إعادة النظر في آخرين. نكتشف أن طول العِشرة لا يعني دائمًا عمقها، وأن كثرة الحضور لا تعني بالضرورة صدقه، وأن بعض العلاقات عاشت طويلًا لأن الحياة لم تضعها بعد أمام السؤال الصعب.
فالطرق المستقيمة لا تكشف كثيرًا عن رفاق السفر. عند المنعطفات فقط، نعرف من يخفف سرعته كي نبقى معًا، ومن يواصل طريقه كأننا لم نكن يومًا نسير إلى جواره.
ومع ذلك، ربما لا يكون أجمل ما نتعلمه من الأزمات معرفة من خذلنا.
الأجمل أن نعرف من لم يفعل.
أن نعيد اكتشاف أشخاص كانت محبتهم أكثر هدوءًا من أن ننتبه إليها، وأن ندرك أن بعض القلوب لم تكن تجيد الكلام الكبير، لكنها حين جاء وقت الفعل قالت كل شيء.
لهذا تعيد الأيام الصعبة ترتيب أشياء كثيرة في داخلنا. تجعلنا أكثر انتقائية في منح القرب، وأكثر وعيًا بقيمة المواقف، وأقل انبهارًا بالكلمات التي لا يسندها فعل.
وحين تنقضي الأزمة، يعود كل شيء تقريبًا إلى إيقاعه المعتاد تُفتح الأبواب، تعود الضحكات وتستعيد الأيام شيئًا من خفتها.
لكن شيئًا واحدًا يصعب أن يعود كما كان:
نظرتنا إلى بعض البشر .
فالعاصفة قد تمر، ويجف الطريق، وتختفي آثار المطر…
لكننا نتذكر جيدًا من فتح لنا مظلته،
ومن أغلق نافذته حين رآنا تحت المطر.

