كتب : حسيبة صالح /سوريا
ليلة عبر فيها الصوت حدود الوطن العربي
يتوهّجُ المساءُ في دمشق بفعلٍ يعيد ترتيب نبض المدينة: تشتعلُ دار الأوبرا بالشعر والغناء في أمسيةٍ حملت اسم
ولاء الجندي، ووجوه جمهورٍ جاء وفي قلبه شوقٌ لا يهدأ. منذ اللحظة الأولى، بدا أن الحفل ليس مجرّد عرضٍ فني، بل
لقاءٌ بين ذاكرة الناس وصوتٍ يعرف كيف يوقظ ما نام طويلاً.
ولاء الجندي دخلت المسرح بخطواتٍ هادئة، لكن حضورها كان عاصفةً صغيرة… عاصفة من دفءٍ وحنينٍ وطبقات
صوتٍ تُشبه الحرير حين يلامس الروح. وإلى جانبها، كان البعد الدولي حاضرًا بقوة عبر قائد الأوركسترا التونسي
محمد الأسود، الذي قاد الفرقة بيدٍ تعرف الطريق بين المقامات، وبحسٍّ موسيقي يفتح الجسر بين دمشق
وتونس، بين الذاكرة والحداثة، بين روحين عربيتين تتجاوران على خشبة واحدة.
كان الأسود يقف كقلبٍ نابض خلف كل نغمة، يقود الأوركسترا بثقةٍ هادئة، ويمنح الأغاني عمقًا إضافيًا،
وكأنها تُعزف على خيطٍ مشدود بينه وبين الجمهور. وجوده أضاف للأمسية لغةً عربية مشتركة، لغةً تتجاوز الحدود
وتقول إن الفنّ حين يكون صادقًا… يصبح وطنًا كاملًا.
البرنامج تقدّم كرحلةٍ كاملة، متماسكة، لا فواصل فيها إلا نبض الناس:
شكوت ليلي – يا زائري في الضحى – عصفورة الشجن – المصطاف والمترّبع – أغدًا ألقاك – دموع الحب – منازل
لكم يعنيني – جادك الغيث – إني أحبك – زدني – لن أسلاكم – يا شادي الألحان – مضناك – يا غصن نقا – يا ليل الصب.
كل قطعة كانت تُستقبل بتنهيدةٍ طويلة، أو ابتسامةٍ خجولة، أو تصفيقٍ يسبق النهاية. بعضهم أغلق عينيه
ليعيش الأغنية كاملة، وبعضهم رفع هاتفه ليحفظ اللحظة، وبعضهم اكتفى بأن يضع يده على قلبه… وكأن الصوت يلامسه مباشرة.
دمشق في تلك الليلة بدت كأنها تستعيد دورها القديم: مدينةٌ تُعيد ترتيب نبضها بالشعر، وتقدّم للعالم أمسيةً
تُشبهها… عميقة، دافئة، وممتلئة بما يكفي ليظلّ صداها طويلًا. ومع حضور محمد الأسود، اكتسبت الأمسية لغةً
عربية مشتركة، لغةً تتجاوز الحدود وتقول إن الفنّ حين يكون صادقًا… يصبح وطنًا كاملًا.
انتهت الليلة كما تنتهي الأشياء التي تُحبّها الروح… لا تُغلق الباب، بل تتركه مواربًا لعودةٍ قريبة. خرج الجمهور
وفي قلبه أثرٌ يشبه الندى، أثرٌ لا يُقال لكنه يُحسّ… كأن دمشق في تلك الساعة رفعت رأسها قليلًا، وابتسمت
للعالم بصوتٍ واحد: ما زال في هذه المدينة ما يستحق أن يُسمع، وما زال في هذا الوطن العربي ما يستحق أن يُحتفى به معًا.

٩

