كتب : عطور رحيم _ عراقية
انا و المرايا !!
يولد الإنسان لا يعرف شيئا عن نفسه حتى يصل مرحلة أولى من الوعي عندما يرى نفسه لأول مرة في المرآة ! ربما في عمر الرابعة أو الخامسه ، يندهش الشبيه الذي يراه أمامه ، يتساءل :
.. أهذا أنا ؟
من هنا تبدأ اسئلة الذات ، الأنا ، الوعي الاول ، تبدأ دهشة أو معرفة فرحة ، يجرب أن يبتسم فيرى الآخر الذي قابله في المرآة يبتسم ايضا ، تزداد الحيرة لمعرفة هذا الأخر أو الشبيه الذي يلازمنا حتى آخر لحظة من حياتنا .
و يوم نكبر تكبر معنا الرغبة في البحث عنه أو رصده من خلال شبيه حي ، يتحرك ، ربما صديق نختاره من الناس لانه يشبهنا أو يجسد صورتنا كما جسدتها المرآة في الصغر .. ترى هل تصدأ هذه المرايا ؟ كم مرة نحتاج أن تفركها من غبار الصدأ ؟ نجلوها لتبقى ناصعة و كم يكلفنا هذا الجهد ! احيانا نعجز فنختار العزلة أو اللجوء إلى مرايا أخر .. العراء ، الطبيعة ، البحر .. البحر أصدق المرايا ، الرمل كتاب نتصفحه كما لو كان سجلا للروح ، صفحة اليوم تمر عليها الريح فتطويها ، غدا لنا صفحة أخرى ستطوى ايضا و هكذا نتمرن على هذا السهو و الفقدان المستمر للأشياء .
ساعة الغروب تصفو مرآة البحر فنجد صورتنا أوضح ، يحملها الموج الينا بلا عناء ، نتأمل انكساراتها و الندوب التي تركها الزمن ..
يا بحر هل انت الصديق الأخر
يا رمل هل انت الكتاب الأعمق ؟
نجد أنفسنا في الطبيعة التي أتينا منها مبللين برذاذ فرح خفي لم ندركه من قبل يوم كنا مع الناس في زحامهم ، الزحام حجاب يمنعنا الرؤية و نحن نريد أبعد مما يٰرى ! الطموحات لا تحد و الطفل الذي فينا يصرخ .. الانسان كائن شاسع مترامي الأهداف .
في التأمل نجد أنفسنا غالبا ، عندما نصفو ، نفرك صدأ المرايا كي نرى بوضوح :
.. أهذا أنا ؟
كم كبرت دون أن ادري !
كم تعثرت
كم ضحكت و بكيت
سلسلة ندوب نسميها الحياة ، الحياة التي تتلألأ في المرايا
كم من الناس مروا من هنا دون أن يحدقوا في مرايا ذاتهم ، مروا عابرين بلا أثر ، بما نحن الآن نبحث عن هذا الأثر لنكتبه على صفحة الماء فيمحوه الموج المتتابع لكننا نصر على نقشه رغم أنه يمحى ، هي محاولات لا غير .. فطرة إنسانية تدفعنا للبقاء حتى لو ذكرى .. الذكرى بقاء من نوع اخر ، بقاء في مرايا الآخرين ، صورة لا ندري دقة نقائها لكننا نحاول أن نرسمها بأدق الملامح ..
عدد المشاهدات: 0


