كتب : د / فرات البسام
ماذا بقى من حنجرة فيروز؟
كنا نترك لديكة في السطوح مهمة أن تقول لنا إن الشمس أشرقت إليكم، فهيا اسعوا
في أرض الله وسمائه. ومنهم من كان يشبهنور الصباح الآتي من وجه يوسف يوم
انتصب بخجله الذكوري أمام امرأة العزيز. وآخرون تفتح عيونهم على نوافذ العشق،
فيفتحون كتب لويس خورخي بورخيس، وهو الشاعر الأرجنتيني والقاص والفيلسوف
يسحر حتى نقاده ويعشق الروايات القديمة . لكنه لا يستطيع ان يحمي الحيطان
القديمة من السقوط في المطر ولا يمنعانتحار طائر البودلير الذي ينتحر في اخر
يوم من حياته ولا يمنع بغال الجبال من الانتحار حين يزيد حملها وهي تصعد الجبال .
وأحيان كثيرة نرضى بقسوة الزمن حتى وان جالسنا. تلك الوجوه المنافقة وكأننا في
مجابها بين وجه المنافق الذي يلبس وجهالمتصوف . وبين قوة ضوء الشمس
الى ما يشبه الهذيان، وتلك الأصوات العالية المقرفة وكأنة الناس في جلسة . للاناشيد
العالية الصوت والتي كانت تتدلى على شكل صراخ او قصائد ممزوجة بطعم
الفوضى ومرات حين تشتد شمس الظهيرة ويهرب الناس الى الظل وعرائش
البساتين ، ونبقى نحن من يتفاءل بنعم الحياة الهادئة وصوت فيروز حتى نصل
بأحلامنا الى العشق الخشن ،الذي تسكنه دمعة شوق فنبكي حينها . لقد ذهب .
الرحابنة صانعي اجمل الانغام والاصوات في حياتنا ، والذين صنعوا لنا بلحنهم الصباحي
حنجرة فيروز ، ورغم اننا فقدنا ( زياد ،وعاصي ،ومنصور، والياس ) وهم رحلوا عن عالمنا
لكنهم ابقوا لنا (مروان وغسان وغدي وأسامة وجاد والهام الرحباني) جيل
يرث جيل ثقيل ، وبقيت حنجرة فيروز التي هي واحدة من ظواهر الشرق الحضارية
التي تفوق بصوتها الصباحي كل أنغام الطيور المحملة بألوان العشق وعلى
ذلك التأثير التي كانت فيه ديكة الصباح التي عشقتها امي وجدتي…
لقد تعرفت على فيروز حين كبرت ، والغريب أن الاطفال في صغرهم لا يعون ماهي
قيمة فيروز ولا يقتربوا منها بالرغم انها تصادفهم كل صباح في شوارع بيروت وحين
يمرون الى مدارسهم ، ولكن مع اول لحظات ذكورة الشباب ونشوء المشاعر والحس
والغرام و تبدأ كتابة رسائل الحب تراهم يغرمون بها ويصبحون عشاقاً لها بالفطرة . ولكن
المثقفون هم الأساس في عشق صوتها وهم من اكثر النخب التي تردد اغانيها في
أوقات الوحدة حتى تصنع لهم الذكريات فيتلك اللحظة الروحية التي عرف الرحابنة
كيفية تحوليها الى نوته وحس شعبي لبساطة الحياة وكل عشقها وسرياليتها
(من اغنية نسم علينا الهوا ، وأنا لحبيبي … الخ )حتى تبدأ رومانسية مشاعر آخر ايام الصيفية ،.
نحن نحتاج الى بكاء الرحابنة لأننا من خلال صوت فيروز تصل الينا رسائل الامل وتجعل
من بكائنا فرح تصل هواجسه لمن نعشقها.. .
الآن فيروز وحدها، والرحابنة وحدهم مع هياكلهم ..ومع كل تلك القسوة فنحن لا نستطيع ان نستبدل (( عتريس القاسي . بباريس الرومانسية ))

