كتب : أمينة سعد الرويعي – البحرين
حين يخوننا صمتنا
هل السكوت في سبيل سعادة صديق، وليس أي صديق، بل شخص تعتبره أخًا أنجبته الدنيا لك، ومن شدة تعلقك به أصبحتما كتوأم تتشابهان في الصفات والطباع، يُعد خيانة؟ يعتبر البعض
ممن قرأ رواية السندباد الأعمى للكاتبة الكويتية بثينة العيسى اعتبر عامر خائنًا، وأن سكوته هو السبب فيما حدث ونهاية نادية. مررت بالعديد من التساؤلات خلال قراءتي للنص، منها: هل يحق لنا اختيار الحياة الأفضل لأصدقائنا دون استشارتهم؟ وهل الحياة المثالية تناسب أصحابها دائمًا، أم أن هناك ضحية في هذه الحياة؟ طوال فترة قراءتي
للنص، لم أتجاوز فكرة أن عامر كان ضحية مشاعره النبيلة. قد يختلف معي أغلب القراء في تصنيفي لشخصية عامر، لكن لو عدنا بالزمن واسترجعنا ذكريات ذلك الوقت، عندما كانت الأسرة مترابطة، وكان الأهم هو رضاها، إضافة إلى مباركة الأم، سنجد أن تصرف عامر كان طبيعيًا جدًا. كما أن التعبير عن مشاعره لصديقه حول حبه لفتاة لا يمكنه الزواج منها كان يُعد فضيحة وتشويهًا للسمعة. لذلك أجد أن تصرف عامر كان غاية في النبل، وأنه كان الضحية في هذه العلاقة، وبسبب سوء تصرف نادية خسرها هي وصديقه للأبد. عندما نعود إلى النص، سنجد أن المشكلة لم تكن في عامر، بل في نادية. في هذه الرواية، عرضت الكاتبة مشكلة حقيقية، وهي عدم توافق المشاعر بين الزوجين، وصبر
الزوجة اعتقادًا منها بأنها يمكنها أن تحب هذا الشخص الذي اختارته زوجًا. لكن الأيام تكشف لنا أن الحب لا يأتي بالعِشرة كما اعتدنا سماعه، فإذا كانت الزوجة غير مقتنعة بالشخص الذي ارتبطت به، وبحثت عن ملامح ذلك الشخص الذي أحبته، أبدت انزعاجها لأنه لا يشاركها الاهتمامات نفسها. بينما الحب يُلغي كل ذلك؛ لأنك عندما تحب، لا يهم أن يشاركك الطرف الآخر كل اهتماماتك. بل إن الاختلافات، في بعض الأحيان، هي أكثر ما يميز هذه العلاقة. عامر لم يفهم نادية، ونادية لم تفهم نواف، ونواف لم
يفهم عامر. في النهاية، كان غياب التواصل الحقيقي بينهم هو ما ولّد المشكلة. جميعهم كانوا ضحايا صمتهم، عدا نواف، الذي كان ضحية غضبه؛ غضب لم يطفئه الزمن، ورغم مرورهم بالحرب، لم يُشعل ذلك فيه روح التسامح ليتغاضى عن الانتقام. في هذه الرواية، وجدنا كيف يمكن للإنسان أن يفقد نفسه في خضم هذه الفوضى في الحياة. كل شخص فقد جزءًا منه، ولم يتمكن من ترميم نفسه؛ لأن ما حدث كان أمرًا لا يمكن تجاوزه. شخصية نادية ذكرتني بشخصية لينوتشا في رواية صديقتي المذهلة للكاتبة الإيطالية إيلينا فيرانتي. عندما اختارت الزواج من بيترو، الذي يفوقها في المستوى المادي والاجتماعي، شعرت بالسعادة للمكانة الاجتماعية التي
حصلت عليها، وللاستقرار المادي. عاشت حياة كانت تليق بها، لكنها في نهاية المطاف وجدت نفسها تعيسة؛ لأن هذه الحياة التي بنتها مع بيترو منحتها كل ما كانت تحتاج إليه، عدا أمر واحد، وهو ببساطة: السعادة. فالحياة المثالية والاستقرار لا يخلقان السعادة؛ لأننا حين نعيش حياة مثالية لا تشبهنا، نفقد في كل يوم جزءًا من أنفسنا.
عدد المشاهدات: 0


