كتب : د. سهير بنت سند المهندي
حين تصبح المدرسة خط الدفاع الأول
حين تُفتح أبواب المدارس، لا يدخل التلاميذ إلى فصولهم وحدهم؛ تدخل معهم الدولة إلى
مستقبلها. فالحقيبة التي يحملها طفل اليوم قد تحمل غداً مشروع اقتصاد، أو قراراً سياسياً، أو
ابتكاراً يحمي وطناً. ولهذا لا يبدو اهتمام القيادات ببداية الدراسة مجاملة موسمية، بل تفقّداً لأهم خطوط الأمن القومي.
ظل التعليم يُعامل بوصفه خدمة اجتماعية. لكن العالم اكتشف أن الفصل الدراسي غرفة عمليات؛
فيه تُصنع قدرة المجتمع على الإنتاج، ومناعته أمام التضليل، واستعداده للأزمات. والدولة التي لا
تكتب مستقبلها في مناهجها، قد تجد غيرها يكتبه لها عبر الشاشات والمنصات والخوارزميات.
اقتصادياً، يقدّر البنك الدولي أن سنة دراسية إضافية ترفع دخل الفرد بنحو 9%. ويتوقع تقرير
مستقبل الوظائف 2025 أن تتغير أو تتقادم 39% من مهارات العاملين بحلول 2030، مع ولادة 170
مليون وظيفة وزوال 92 مليوناً.
ومحلياً، تتضاعف قيمة التعليم في دولة صغيرة كالبحرين؛ فمحدودية الموارد والمساحة تجعل
كفاءة الإنسان موردها الأوسع والأبقى.
أما سياسياً، فالمواطن المتعلم أصعب انقياداً للشائعة، وأكثر قدرة على التمييز بين النقد
والفوضى، وبين الخبر والتحريض. التعليم الجيد يبني شرعية الدولة من الداخل؛ لأنه يقنع الإنسان
بأن فرصته تُصنع بالكفاءة، لا بالقرب، وأن القانون باب مشترك لا نافذة خاصة. وحين يشعر المواطن
بعدالة الفرصة، تقل كلفة التوتر وتزداد الثقة بالمؤسسات.
وفي البعد العسكري، لم تعد القوة بعدد الجنود والدبابات فقط. الحروب الحديثة تبدأ من معلومة
مخترقة، وطائرة مسيّرة، وشائعة مصممة، ونظام اتصالات مشلول. لذلك فإن معلم الرياضيات،
ومختبر العلوم، ودرس التفكير النقدي، شركاء في منظومة الدفاع. الأمن السيبراني والذكاء
الاصطناعي واللغات أصبحت ذخيرة الدول الجديدة، والعقل المدرَّب أول حصونها.
ودولياً، تتحول الجامعة إلى سفارة لا ترفع علماً. المنح الدراسية، والبحوث المشتركة، واستقطاب
الطلبة، كلها تبني شبكات ثقة ونفوذ؛ فالطالب الأجنبي الذي يعود قائداً أو باحثاً يحمل معه
معرفة بالبلد الذي علّمه. تلك هي القوة الناعمة في أنضج صورها: أن تؤثر الدولة بما تمنحه للعقل، لا بما تفرضه على الإرادة.
ومع ذلك، تحذر أرقام البنك الدولي من أن سبعة من كل عشرة أطفال في الدول منخفضة
ومتوسطة الدخل لا يستطيعون قراءة نص بسيط وفهمه عند سن العاشرة. وهذه ليست أزمة
مدارس؛ إنها إنذار عالمي بأن الحضور إلى الصف لا يعني حدوث التعلم، وأن الأجهزة الحديثة لا تعوّض
معلماً متمكناً، ولا منصة ذكية تصلح منهجاً بلا روح.
من هنا، لا ينبغي أن يُقاس نجاح العام الدراسي بعدد المقاعد وحدها، بل بما يضيفه إلى قدرة
الطالب على السؤال، والعمل، والتعايش، وحماية الحقيقة. نحتاج تعليماً يصل السوق بالمختبر،
والهوية بالعالم، والمعرفة بالمسؤولية؛ وتعليماً لا ينتهي عند الشهادة، لأن وظيفة الغد قد تولد بعد تخرج صاحبها.
إن أول موازنة للدفاع تبدأ من موازنة التعليم؛ وأول مشروع اقتصادي يبدأ من معلم؛ وأول انتصار
سياسي يبدأ من مواطن يفكر. المدارس لا تستقبل أبناءنا كل خريف فقط، بل تستقبل الدولة التي
سنعيش فيها بعد عشرين عاماً. لذلك، حين يدق جرس الحصة الأولى، ينبغي أن نسمعه جيداً: إنه
صوت المستقبل وهو يطلب الإذن بالدخول.
اعلامية وباحثة اكاديمية
