كتب : أمينة الرويعي – البحرين
هل حدث يوماً وشعرت بأن الإفراط في التفكير هو ما سيقودك إلى سوء اختيار الطريق الصحيح؟
بأن الواقع لم يعد يعكس ما تشعر به بالفعل، وأن ما تشعر به تراه في أحلام يعتقد البعض بأنها كوابيس تلاحقك، فتشعر بأنها تخنقك، لكنها في الحقيقة ليست سوى انعكاس لما تشعر به في أعماقك.
هذا ما شعر به الشاعر الفرنسي أندريه بريتون، الذي رأى بأن المنطق والعقل كانا السبب في اندفاع البشر نحو الحروب التي دمرت العالم والإنسان، وأن التلقائية في التعبير هي أفضل ما يمكن للإنسان أن يفعله. لذلك أسس حركة فنية وأدبية جديدة تبني عالماً قائماً على الخيال واللاوعي، وهي الأفكار التي عرفت لاحقاً بالسريالية. جاءت السريالية بعد حركة الدادا التي عارضت كل الدمار الذي حل بالعالم، فكانت ثورة ضد المنطق
لكنها اعتمدت على الرفض والفوضى والسخرية وانتقاد الفن ذاته. إلا أن أندريه بريتون رأى بأن الإنسان لا يحمل داخله الغضب والسخرية فقط، بل هنالك مشاعر أعمق من ذلك بكثير، مشاعر تحتاج إلى أن تُقال كما هي، دون رقابة أو خوف، حتى وإن ظهرت على هيئة أحلام.
لم تكن السريالية دعوة إلى التمرد بقدر ما كانت دعوة إلى التحرر من القيود والرقابة الفكرية أثناء الكتابة والرسم والصدق في التعبير، أن تعبر عن مشاعرك مهما بدت غريبة أو بعيدة عن المنطق، لأنها في النهاية تشبهنا وتعبر عنا، ولأن الحلم جزء من حياتنا اليومية وليس شيئاً منفصلاً عنها
ربما يرى البعض أن الحركة السريالية هي أكثر الحركات الفنية غرابة بعد الدادا، لكن لو تأملناها جيداً لوجدنا بأنها تعتمد على الصدق في التعبير عن المشاعر المكبوتة، فهي تنقل المشاعر كما هي دون تجميل أو تزييف، لأنها تعبّر عن اللحظة التي شعر بها الفنان أو الكاتب دون الحاجة إلى إيجاد قالب مثالي يليق بما يريد قوله.
ورغم أن البعض يعتقد بأن السريالية تنتمي إلى عصرها فقط، وأنها كانت نتيجة لظروف مرّ بها العالم آنذاك، إلا أننا اليوم، ومع وجود وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحنا نرى نوعاً من الأدب يقوم على اللحظة العابرة، أدب يُكتب بتلقائية ويعبّر عن الشعور ذاته في لحظته الأولى، ولهذا أجد بأن هذا النوع من الأدب يتقاطع مع السريالية في التعبير عن المشاعر دون قيود ودون تفكير طويل.
بعض المشاعر حين نفكر بها كثيراً ونحللها نفقد لذة الكتابة عنها، لذلك تبقى الكتابة اللحظية دائماً الأقرب إلى صدق المشاعر.
عدد المشاهدات: 0


