كتب : بقلم : د. سيما حقيقي
فنٌّ يولد من النار… ويبقى
هناك فنونٌ تُرسم بالألوان…وفنونٌ أخرى تُولد من النار.
فنٌّ لا يبدأ من الفرشاة وحدها، بل من لحظة الذوبان نفسها، حين يتحوّل الشمع من مادةٍ صامتة إلى ذاكرةٍ حيّة تنبض فوق اللوحة.
ربما لهذا السبب تحديدًا، لم يكن الرسم بالشمع بالنسبة لي مجرّد تجربة فنية، بل حوارًا طويلًا بين النار والضوء، بين الهشاشة والقوة، وبين شيءٍ يذوب… وشيءٍ يبقى.
فهذا الفن، رغم جذوره القديمة الممتدة عبر قرونٍ بعيدة، ما زال يحمل شيئًا من الغموض والدهشة، كأنّه فنٌّ نجا من الزمن، وعاد بروحٍ جديدة.
وفي كل مرة كنتُ أُذيب فيها الشمع، كنتُ أشعر أن اللوحة لا تُرسم فقط، بل تُولد.
تولد من طبقاتٍ من الحرارة،ومن ذلك التوازن الدقيق بين السيطرة والانسياب، حيث يمكن لحركةٍ صغيرة من النار
أن تغيّر مصير العمل كاملًا.
وربما كانت هذه العلاقة تحديدًا هي أكثر ما شدّني إلى هذا الفن…
أن تصنع الجمال من خامة قابلة للذوبان، وأن تمنح شيئًا بهذه الهشاشة قدرةً على البقاء لسنوات طويلة دون أن يفقد روحه أو وهجه.
ومن هنا…
بدأت رحلتي مع فنّ الرسم بالشمع،
لم تكن كفنٍّ نادر فحسب، بل كتجربةٍ شعرتُ أنها تشبهني من الداخل.
ورغم أن فنّ الرسم بالشمع يُعدّ من أقدم الفنون التي عرفها الإنسان، حيث استُخدم منذ الحضارات القديمة، وظهرت آثاره في الجداريات والطقوس الفنية القديمة، إلا أنّه ظلّ عبر الزمن فنًّا نادرًا، تحيطه الصعوبة والغموض، بسبب حساسية خاماته، وتعقيد تقنياته، واعتماده على الحرارة والنار كجزءٍ أساسي من تكوين العمل.
فالرسم بالشمع ليس فنًّا يمكن التعامل معه بعفويةٍ كاملة، لأن اللوحة فيه لا تُبنى بالألوان وحدها، بل بدرجات الحرارة، وسرعة الحركة، وتوقيت الذوبان، والقدرة على فهم سلوك الشمع نفسه فوق السطح.
ولهذا…
ظلّ هذا الفن لسنوات طويلة محدود الانتشار مقارنةً بغيره من الفنون التشكيلية، رغم ما يحمله من عمقٍ بصري وثراءٍ استثنائي في الملمس والضوء.
لكن أكثر ما كان يثير دهشتي فيه…
أن هذه الخامة التي تبدو هشّة وسريعة الذوبان، يمكن أن تتحوّل إلى عملٍ يعيش طويلًا، ويحافظ على بريقه ودفئه لسنوات.
ومن هنا بدأت رحلتي الحقيقية معه…
لم تكن فقط في تعلّم تقنياته، بل في محاولة إعادة اكتشافه بروحٍ معاصرة، والبحث عن طريقة تمنحه قدرةً أكبر على التحمّل والاستمرار، خصوصًا في بيئةٍ مناخية حارّة مثل الخليج.
فخلال سنوات من التجربة والعمل، طوّرتُ خلطتي الخاصة للرسم بالشمع، وهي تركيبة ساعدت اللوحات على مقاومة درجات الحرارة العالية، والحفاظ على تماسكها وجودتها لسنوات طويلة، دون أن تفقد ذلك الوهج الشفّاف الذي يميّز هذا الفن.
وكان هذا التحدّي بالنسبة لي جزءًا من روح التجربة نفسها…
أن تحوّل خامةً قابلة للذوبان إلى فنٍّ قادر على البقاء.
فالرسم بالشمع، بصورته التقليدية، يعتمد غالبًا على شمع النحل، وهو شمعٌ ليّن وسريع التأثّر بالحرارة، تُبنى به طبقاتٌ رقيقة ومتداخلة فوق سطح اللوحة.
لكنني شعرتُ برغبةٍ في الذهاب أبعد من الشكل التقليدي لهذا الفن…
فبدأت أعمل على تطوير خلطتي الخاصة، باستخدام شمع البارافين ممزوجًا بمواد أخرى تمنحه صلابةً أكبر في البقاء، ومرونةً تسمح لي بتشكيله بحريةٍ أوسع، دون أن يفقد ذلك الوهج الشفّاف الذي يميّز الرسم بالشمع.
ومع هذه التجربة، لم تعد اللوحة بالنسبة لي سطحًا مسطّحًا فقط، بل مساحة يمكن أن تمتدّ خارج حدودها.
لهذا بدأت بإضافة عناصر وتكوينات ثلاثية الأبعاد داخل الأعمال، لتصبح اللوحة أكثر حضورًا وعمقًا، وكأنها قطعة حيّة تحمل طبقاتٍ من الضوء والملمس والذاكرة، وتمنح المتلقّي شعورًا بأنه لا ينظر إلى عملٍ فني فحسب… بل إلى حكاية تتشكّل أمامه.
ومع الوقت…
لم يعد الرسم بالشمع بالنسبة لي مجرّد تقنية فنية نادرة، بل لغة كاملة لها روحها الخاصة.
لغة لا تعتمد على اللون وحده، بل على الضوء المختبئ داخل العمل، وعلى ذلك العمق الذي تمنحه النار للسطح، وكأن اللوحة لا تُرى فقط… بل تُحَسّ.
فهذا الفن لا يشبه الفنون التقليدية التي تُبنى بالتدرّج البطيء وحده، لأن الشمع يحمل شيئًا من المفاجأة الدائمة.
هناك دائمًا لحظة لا يمكن توقّعها بالكامل، لحظة يتدخّل فيها الذوبان، وتعيد الحرارة تشكيل التفاصيل بطريقة تمنح كل لوحة شخصيتها الخاصة، وكأن النار تترك بصمتها الأخيرة داخل العمل.
وربما لهذا السبب…
كنت أشعر أن كل لوحة تُنجز بالشمع تحمل شيئًا حيًّا فيها.
شيئًا لا يشبه النسخ المتكررة، ولا يسمح للعمل أن يكون باردًا أو جامدًا، لأن الحرارة نفسها تصبح جزءًا من ذاكرة اللوحة.
ومن هنا بدأت تتشكّل رؤيتي الخاصة لهذا الفن…
لم أكن أبحث فقط عن تقديم خامة مختلفة، بل عن خلق تجربة بصرية يشعر فيها المتلقّي أن اللوحة تتحرّك بالضوء، وتتغيّر ملامحها مع الزوايا، وتكشف تفاصيلها تدريجيًا كلما اقترب منها أكثر.
ولهذا جاءت معظم أعمالي محمّلة بمساحات من العمق، والملمس، والتفاصيل التي لا تُكتشف من النظرة الأولى، لأنني كنت أؤمن أن بعض الفنون لا تُقرأ بسرعة… بل تُعاش ببطء.
وحين أقمت معرضي في يناير 2025،
لم أرد له أن يكون مجرّد معرض لوحات معلّقة على الجدران، بل تجربة كاملة يدخل فيها الزائر إلى عالم هذا الفن بكل تفاصيله.
حتى لحظة الافتتاح نفسها…
لم أشأ أن تبدأ بقصّ شريطٍ تقليدي، لأن هذا الفن وُلد أصلًا من الضوء والنار.
لذلك كان إشعال الشمعة هو البداية.
لحظة رمزية شعرتُ أنها أقرب إلى روح المعرض، وكأن النور نفسه هو الذي يفتح الأبواب أمام الأعمال، لا المقصّ.
وكان ذلك المعرض من أوائل التجارب من هذا النوع في البحرين لهذا الفن، ليس فقط من حيث الخامة، بل من حيث طريقة تقديمها، والمواضيع التي حملتها اللوحات، والأسلوب الذي حاولت من خلاله أن أُخرج الرسم بالشمع من صورته التقليدية، إلى مساحة أكثر حداثة وعمقًا واتساعًا.
ومع الوقت…
بدأت أكتشف أن الدهشة التي يتركها الرسم بالشمع لا تأتي من الخامة وحدها، بل من الإحساس الذي تمنحه الأعمال لمن يراها.
فكثير من الزوّار كانوا يقفون أمام اللوحات وهم يحاولون فهم ما يرونه…
هل هي لوحة؟
أم قطعة منحوتة؟
أم سطحٌ يختزن طبقاتٍ من الضوء والنار والزمن؟
وكان هذا تمامًا ما كنت أبحث عنه.
أن يشعر المتلقّي أن العمل لا يُشاهد بسرعة، بل يدعوه للاقتراب، ولملاحظة التفاصيل.
فالرسم بالشمع ليس فنًّا صامتًا بالكامل…
إنه فنّ يتغيّر مع الضوء، ويتنفّس عبر طبقاته، ويمنح كل شخص تجربة مختلفة بحسب المسافة التي يقف عندها، والزواية التي ينظر منها.
وربما لهذا السبب تحديدًا،
كان اقتناء هذه الأعمال بالنسبة لكثير من الزائرين أكثر من مجرد اقتناء لوحة.
كان شعورًا بامتلاك قطعة تحمل دفئًا مختلفًا، وحضورًا حيًّا، وملمسًا لا يشبه الفنون التقليدية المسطّحة.
ولهذا…
لم يكن هدفي من تقديم هذا الفن أن أعرّف الناس بخامة نادرة فقط، بل أن أفتح نافذة على تجربة فنية مختلفة، تُعيد العلاقة بين الإنسان واللوحة إلى مساحة أكثر قربًا ودهشة وتأمّلًا.
وهنا أيضًا…
لم تكن اللوحات وحدها هي التي تتحدّث.
فالنصوص المرافقة للأعمال، والمعروضة باللغتين العربية والإنجليزية، كانت جزءًا أساسيًا من التجربة نفسها، لأنها لم تُكتب كشرحٍ مباشر للوحات، بل كامتدادٍ لروحها ومعانيها.
كانت تحاول أن تفتح بابًا آخر لفهم الرموز، وأن تقود المتلقّي إلى الطبقات الأعمق داخل العمل، حيث تعجز الألوان أحيانًا عن قول كل شيء وحدها.
فبعض المشاعر…
يصعب على اللون أن يشرحها كاملًا، كما يصعب على الكلمات أحيانًا أن ترسمها.
ولهذا جاءت النصوص لتُكمل الصورة، لا لتفسّرها فقط.
تارةً تمنح اللوحة صوتًا إضافيًا، وتارةً تضيء رمزًا خفيًّا داخلها، وفي أحيانٍ كثيرة كانت الكلمات تصل إلى مناطق لا تستطيع الألوان وحدها أن تبلغها، بينما كانت الألوان بدورها تمنح النصّ ذلك البعد الشعوري الذي لا يمكن للكلمات أن تحمله وحدها.
وهكذا…
لم تكن التجربة قائمة على اللوحة فقط، بل على ذلك الحوار الهادئ بين اللون والكلمة، بين النار واللغة، وبين ما يُرى… وما يُشعَر به في الداخل.
حين بدأتُ تقديم هذا الفن في البحرين، كنتُ أدرك أنني لا أقدّم خامةً مألوفة اعتادها المتلقّي بسهولة، بل تجربة مختلفة بالكامل، تحمل لغة بصرية غير معتادة على المشهد الفني المحلي.
وربما كانت هذه المغامرة جزءًا من جمال الرحلة نفسها…
أن تفتح بابًا لفنٍّ نادر، وتمنحه مساحة ليُرى ويُكتشف، ليس بوصفه تجربة غريبة فقط، وإنما كفنّ قادر على أن يخلق علاقة مختلفة بين العمل الفني والمتلقّي.
فالفنون الجديدة لا تدخل القلوب دائمًا من الطريق السهل، لأنها تحتاج أولًا إلى كسر الصورة المسبقة عمّا يجب أن تكون عليه اللوحة، أو كيف يجب أن تبدو الخامة.
لكن أكثر ما لامسني خلال المعرض،
كان ذلك الفضول الحقيقي الذي ظهر لدى الزوّار.
فضول جعل كثيرين يطرحون الأسئلة، ويقتربون من الأعمال بدهشة، ويحاولون اكتشاف هذا الفن الذي لم يألفوه من قبل.
وهنا شعرت أن الفن ينجح فعلًا…
ليس حين يقدّم إجابات جاهزة، بل حين يوقظ في الداخل رغبة الاكتشاف والتأمّل.
وربما لهذا السبب،
لم أشعر أنني كنت أقدّم معرضًا فقط، بل كنت أقدّم نافذة صغيرة على عالمٍ فني مختلف، عالمٍ يولد من النار… لكنه يترك في الروح أثرًا من الضوء.
وربما لهذا السبب تحديدًا… ظلّ الرسم بالشمع بالنسبة لي أكثر من مجرّد فن.
لأنّه يذكّرني دائمًا أن بعض الأشياء، رغم هشاشتها الظاهرة، تملك قدرة مدهشة على البقاء.
فالشمع يذوب… لكن أثره يبقى.
والنار تمرّ فوق اللوحة… لكنها لا تحرقها، بل تمنحها روحًا أخرى.
وربما يشبه هذا الفن الإنسان أكثر مما نظن…
فنحن أيضًا تعبر فوق أرواحنا حرائق كثيرة، لكن ما يبقى في النهاية، ليس ما احترق… بل ذلك الضوء الذي تعلّم كيف يعيش داخلنا.


