كتب : بقلم/ دينا نايف
عمالة الأطفال في غزة في ظل الحرب وأزمة التعليم
ثمة ظواهر لا تبدأ صاخبة، ولا تدخل المجتمعات من أبوابها الكبرى، وإنما تتسلل إليها في صمت، حتى تصبح مع مرور
الوقت مشهدًا مألوفًا يعتاد الناس وجوده، رغم خطورته. ومن بين هذه الظواهر تأتي عمالة الأطفال، تلك الظاهرة التي لا
تسرق من الطفل ساعات يومه فحسب، بل قد تسرق منه شيئًا أعمق وأثمن: حقه في أن يعيش طفولته، وأن يتعلم، وأن ينمو
في بيئة آمنة تتيح له أن يصنع مستقبله بدلًا من أن يحمل أعباء الحاضر فوق كتفيه الصغيرين.
وعندما نتحدث عن عمالة الأطفال في غزة، فإننا لا نتحدث عن ظاهرة اجتماعية منفصلة عن واقعها، بل عن نتيجة مؤلمة
لسلسلة متشابكة من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية والتعليمية، تفاقمت بصورة حادة منذ اندلاع الحرب
في عام 2023. فالحرب لم تهدد حياة الأطفال وأمنهم فحسب، وإنما أصابت كذلك مقومات الحياة التي تحمي طفولتهم،
وفي مقدمتها الأسرة والمدرسة والاستقرار الاقتصادي.
ويقصد بعمالة الأطفال، في مفهومها الضار، الأعمال التي تحرم الطفل من طفولته وكرامته وإمكاناته، أو تعرّض صحته
وسلامته ونموه الجسدي والنفسي للخطر، أو تحول دون حصوله على التعليم. وتؤكد منظمة العمل الدولية واليونيسف
أن عمالة الأطفال ما زالت تمثل مشكلة عالمية واسعة؛ فقد بلغ عدد الأطفال المنخرطين فيها نحو 138 مليون طفل عام
2024، من بينهم قرابة 54 مليون طفل يعملون في أعمال خطرة تهدد صحتهم أو سلامتهم أو نموهم. وإذا كان هذا هو
حجم الظاهرة على المستوى العالمي، فإن النظر إلى غزة يكتسب حساسية مضاعفة، لأن الطفل هناك يعيش وسط
ظروف استثنائية تجعل احتمال اضطراره إلى العمل جزءًا من منظومة أوسع من الحرمان والفقر وانقطاع التعليم.
لقد أفرزت الحرب منذ عام 2023 واقعًا اقتصاديًا شديد القسوة، فقدت فيه أسر كثيرة مصادر دخلها، وتراجعت قدرتها
على توفير أبسط الاحتياجات الأساسية. ومع اتساع دائرة الفقر وتضرر سبل العيش، أصبح بعض الأطفال أكثر عرضة للانخراط
في أعمال تساعد أسرهم على البقاء. وتشير اليونيسف في تقريرها السنوي عن دولة فلسطين لعام 2025 إلى أن الانهيار
الاقتصادي في غزة أدى إلى تآكل قدرة الأسر على التكيف، وأن الأسر لجأت بصورة متزايدة إلى استراتيجيات قاسية للتعامل مع
الأزمة، بما في ذلك انخراط أطفال، بعضهم في سن السادسة، في أعمال خطرة للمساهمة في إعالة أسرهم.
وهنا تتجلى المفارقة الأكثر إيلامًا؛ فالطفل الذي كان يفترض أن يحمل حقيبته المدرسية ويذهب إلى مقعده في الفصل، قد
يجد نفسه مضطرًا إلى البحث عن عمل يسهم من خلاله في توفير الطعام أو غيره من الاحتياجات الأساسية لأسرته. وفي
هذه الحالة لا يعود العمل خيارًا حقيقيًا بقدر ما يصبح استجابة قسرية لواقع اقتصادي وإنساني ضاغط.
ولا يمكن الحديث عن عمالة الأطفال في غزة دون التوقف طويلًا أمام التعليم، لأن المدرسة تمثل إحدى أهم وسائل
حماية الطفل من الانزلاق إلى سوق العمل. غير أن الحرب أحدثت انهيارًا واسعًا في النظام التعليمي، وحالت ظروف النزوح
والدمار وانعدام الأمان دون انتظام الأطفال في مدارسهم. ففي سبتمبر/أيلول 2024، أفادت اليونيسف بأن نحو 625 ألف
طفل في غزة كانوا قد حُرموا عامًا دراسيًا كاملًا، بينما لم يتمكن 45 ألف طفل في سن السادسة من بدء عامهم الدراسي الجديد.
ومع استمرار الأزمة، لم يعد الأمر مجرد تأخر مؤقت في الدراسة، بل أصبح انقطاعًا ممتدًا يهدد علاقة الطفل بالمدرسة وبالتعلم
نفسه. وقد أشارت اليونيسف في نوفمبر/تشرين الثاني 2024 إلى أن 658 ألف طفل كانوا قد حُرموا عامًا دراسيًا كاملًا، وأن
57 ألف طفل في الصف الأول انضموا إلى هذا العدد، في وقت جعل فيه النزوح والقصف وتضرر المدارس استئناف العام الدراسي أمرًا بالغ الصعوبة.
وفي ظل تعذر الوصول المنتظم إلى المدارس، برز التعليم الإلكتروني بوصفه حلًا اضطراريًا لمحاولة إبقاء الصلة قائمة
بين الطفل والمعرفة. غير أن التعليم الإلكتروني، على أهميته في الظروف الطارئة، لا يستطيع وحده أن يحل محل التعليم
النظامي بصورة كاملة، ولا سيما في بيئة تفتقر فيها الأسر إلى الاستقرار والكهرباء والاتصال المنتظم بالإنترنت والأجهزة
المناسبة، فضلًا عن أن العملية التعليمية ليست كتبًا وشاشات ومعلومات فحسب، وإنما هي كذلك معلم ورفاق ومدرسة وبيئة آمنة وتفاعل اجتماعي ودعم نفسي وشعور بالانتماء.
ومن هنا فإن الاكتفاء بالتعليم الإلكتروني في ظل ظروف غزة قد يترك فجوة تعليمية واجتماعية عميقة، خصوصًا لدى
الأطفال الأكثر فقرًا والأكثر تعرضًا للحرمان. وقد أكدت اليونيسف أن الأطفال في غزة افتقروا إلى الوصول الآمن إلى
التعليم النظامي الحضوري، وأن تدمير الفصول الدراسية وانعدام المواد التعليمية والضغوط النفسية الشديدة حرمهم
من التعلم المنظم والتفاعل الاجتماعي والبيئة الواقية التي توفرها المدرسة. وفي نهاية عام 2025، كان جميع الأطفال
في سن الدراسة في غزة، وعددهم نحو 637 ألف طفل، محرومين من الوصول إلى التعليم الرسمي، فيما كانت 95.5%
من مدارس القطاع قد تضررت أو دُمّرت.
وهذا الانقطاع الطويل عن التعليم يفتح الباب أمام مخاطر أخرى، من بينها التسرب، وفقدان الدافعية للتعلم، والاتجاه إلى
سوق العمل، خصوصًا عندما يقترن الفقر بالحاجة الملحة إلى المال. وهكذا تتشكل دائرة مؤلمة: الحرب تؤدي إلى تدهور
الاقتصاد، وتدهور الاقتصاد يدفع بعض الأطفال إلى العمل، والعمل يبعدهم عن التعليم، والابتعاد عن التعليم يقلل
فرصهم المستقبلية، الأمر الذي قد يعيد إنتاج الفقر مرة أخرى في المستقبل.
ولا تقف آثار عمالة الأطفال عند حدود فقدان مقعد دراسي أو ساعات من اللعب؛ فالطفل العامل قد يتعرض لأعمال تفوق
قدرته الجسدية والنفسية، وقد يحرم من الراحة ومن الرعاية ومن فرصة النمو الطبيعي. كما أن العمل المبكر قد يضعف
فرصه في الحصول على تعليم جيد، ويؤثر في مستقبله المهني والاجتماعي، ويجعل الفقر ينتقل من جيل إلى آخر بدلًا من أن
تتاح للطفل فرصة كسر هذه الحلقة بالتعليم والمعرفة.
ولعل أخطر ما في هذه الظاهرة أنها تجعل المجتمع ينظر إل

