كتب : أمير كريم محمد / عميد شرطة
حين تتحول معاناة القُصر وفاقدي الأهلية إلى جرائم وانتهاكات إعلامية
انتشرت في الآونة الأخيرة ظاهرة إعلامية تستحق التوقف عندها، تتمثل في خروج
بعض الإعلاميين عن المهنية وضوابط العمل الإعلامي والقانون، من خلال انتهاك
خصوصية القُصّر والأشخاص فاقدي الإدراك أو الأهلية، وتحويلهم إلى مادة إعلامية
بهدف تحقيق الشهرة وزيادة المشاهدات والمتابعين.
ومن الأمثلة على ذلك بعض البرامج التي تختار أشخاصاً يعانون من أمراض أو
اضطرابات نفسية وعقلية، أو ممن لديهم مستوى متدنٍ من الوعي والتعليم
والثقافة، ثم تقدمهم أمام الجمهور بطريقة تجعلهم مادة للتداول والسخرية،
ومن الأمثلة التي تثير هذا النوع من التساؤلات بعض الحلقات المتداولة من
برنامج «ال ع» الذي يقدمه الإعلامي ح ش، حيث يرتكز هذا البرنامج على أشخاص من
فئات اجتماعية ضعيفة ويعانون من امراض أو ممن تبدو عليهم علامات اضطراب أو
محدودية في الإدراك، فيتحول حضورهم من مجرد مقابلة إعلامية إلى مادة يتداولها
الجمهور بسخرية امام عوائلهم وأقربائهم وجيرانهم والمجتمع.
وهناك مواد إعلامية أخرى، غير برنامج «ال ع»، تثير فيها العجب العجاب والاستغراب
من خلال عرض لقاءات مع أشخاص يعانون من اضطرابات عقلية بصورة رسمية لايعون
مايقولون ، فضلاً عن التطرق إلى تفاصيل خاصة من داخل العوائل وانتهاك خصوصيتهم
ان حماية خصوصية هؤلاء الأشخاص ليست مسألة أخلاقية فقط، وإنما هي حق يحميه
القانون. فقد نصت المادة (17) من الدستور العراقي على أن لكل فرد الحق في
الخصوصية الشخصية، كما عاقبت المادة (438) من قانون العقوبات العراقي على نشر
الأخبار أو الصور أو التعليقات التي تتصل بأسرار الحياة الخاصة أو العائلية إذا كان من
شأن نشرها الإساءة إلى أصحابها. كما منح قانون رعاية الأحداث حماية خاصة للحدث، إذ
منعت المادة (63) منه إعلان اسمه أو عنوانه أو تصويره أو نشر أي شيء يؤدي
إلى معرفة هويته.
وتزداد المسؤولية عندما يتعلق الأمر بقاصر أو شخص فاقد للإدراك أو الأهلية، لأنه قد
لا يكون قادراً على فهم طبيعة المقابلة أو تقدير النتائج المترتبة على تصويره ونشر
حديثه أمام الجمهور. لذلك يجب التعامل مع هذه الحالات بحذر أكبر، والتحقق من
وجود الموافقة القانونية ممن يملك تمثيل الشخص ورعاية مصالحه، وعدم
استغلال ضعفه أو حالته لتحقيق أهداف إعلامية.
ومن هنا يبرز أيضاً التساؤل عن مدى قيام هيئة الإعلام والاتصالات بمتابعة مثل هذه
الممارسات، والتحقق من مدى التزام البرامج الإعلامية بالقانون وأخلاقيات
المهنة، واتخاذ الإجراءات المناسبة بحق من يثبت تجاوزه على خصوصية الأشخاص
وكرامتهم،ومن واجب الادعاء العام تحريك الدعوى بحق هولاء .
ولمن تعرض لانتهاك خصوصيته أو كرامته، أو من يمثله قانوناً بحسب حالته، اللجوء
إلى القضاء والمطالبة بالمساءلة والتعويض عن الضرر الذي لحق به، سواء
كان ضرراً مادياً أو أدبياً، وفقاً للقوانين النافذة.
وبرأي، لو بادر هولاء الضحايا الى تقديم شكاوى بحق هولاء الاعلاميين، فقد يجد
بعض هولاء الاعلاميين نفسه امام مسؤولية قانونية ، وقد يكون ثمن هذه
الانتهاكات أموالهم وباقي سنين حياتهم.
ان الدفاع عن الخصوصية لايعني الوقوف ضد حرية الإعلام أو الصحافة، فحرية الإعلام
حق أساسي، لكنها ليست حقاً مطلقاً عندما تتعارض مع حقوق الآخرين بل العكس يجب
ان يكون الاعلام هادفاً وتوعوياً بالحقوق والثقافة والتوجيه خصوصاً حقوق الفئات
الضعيفة التي قد لا تستطيع الدفاع عن نفسها،

