كتب : حسيبة صالح -سوريا
دمشق تقدّم للعالم أمسية موسيقية تعيد تعريف الهوية الشرقية
توهّجت دار الأوبرا السورية مساء أمس في مشهدٍ بدا كأنه رسالة ثقافية موجّهة إلى العالم، رسالة تقول إن الموسيقا الشرقية ما تزال قادرة على التجدد، وعلى تقديم نفسها بصوت سوريّ واضح ومتماسك. فقد قدّمت الفرقة الوطنية السورية للموسيقا العربية بقيادة المايسترو الفنان عدنان فتح الله أمسيةً حملت روح الشرق إلى فضاءات دولية، مؤكدة أن دمشق ما تزال مركزًا فاعلًا في المشهد الموسيقي العربي، وقادرة على إنتاج خطاب فني يتجاوز الحدود.
لم تكن الأمسية مجرد فعالية محلية، بل حدثًا ثقافيًا يعيد وضع الموسيقا السورية على الخريطة العالمية، من خلال أداء احترافي، وتوزيعات تحمل بصمة سورية معاصرة، ورؤية فنية تُخاطب المستمع أينما كان، سواء في دمشق أو في أي مدينة أخرى تتقاطع فيها الثقافات.
✦ موسيقا تتجاوز الجغرافيا… وتعيد رسم صورة الشرق
على الخشبة، اصطفّ العازفون كأنهم كوكبة واحدة، يتحركون بانسجام تحت قيادة المايسترو فتح الله، الذي بدا كأنه يوجّه حوارًا موسيقيًا بين التراث والحداثة.
كانت المقطوعات تُقدَّم بروح جديدة، تُبرز جمال المقامات الشرقية، وتُعيد تقديمها بلغة موسيقية قادرة على الوصول إلى جمهور عالمي، دون أن تفقد أصالتها أو جذورها.
افتُتحت الأمسية بـ مقدمة ليلة حب التي حملت الجمهور إلى ذاكرة الطرب العربي، قبل أن تتسلل موسيقا حياتي لتوقظ الحنين وتعيد رسم ملامح الزمن الجميل.
ثم جاءت رقصة منتصف الشهر بخفتها وإيقاعها الراقص، لتُشعل القاعة وتمنحها طاقة نابضة.
أما سماعي البيات فقد قدّم درسًا في جمال المقام الشرقي، بينما أضافت مروج و**عزيزة** لمسة دفء وبهجة.
واختُتمت الأمسية بلمعان لونغا و**سيرتو سلطاني**، وصولًا إلى رأفت الهجان التي حملت الجمهور إلى فضاء درامي مشحون بالعاطفة والبطولة.
كل مقطوعة كانت جسرًا بين دمشق والعالم، بين الماضي والمستقبل
الجمهور الكبير الذي ملأ القاعة كان جزءًا من المشهد، لا مجرد متلقٍ.
تصفيقهم، دهشتهم، انفعالاتهم… كلها كانت تؤكد أن الموسيقا، مهما اختلفت اللغات، تبقى لغة عالمية واحدة.
ولأن نبض الجمهور هو معيار النجاح، التقيتُ باثنين منهم:
• لقاء مع السيدة هناء، 52 عامًا — قالت وهي تمسح دمعة خفيفة:
«رجعتوني لزمن كانت فيه الموسيقا جزء من يومنا… الليلة حسّيت إنو دمشق لساتها قادرة تعطي، وقادرة تدهشنا».
• لقاء مع الشاب هادي ، 23 عامًا — ابتسم وهو يصفّق بحرارة:
«أنا جاي خصّيصًا كرمال شوف الفرقة… حسّيت إنو في شي عم ينولد من جديد، موسيقا سورية بتشبهنا وبتشبه المستقبل».
هذا التفاعل لم يكن محليًا في روحه، بل عالميًا في صداه، لأن الموسيقا التي تُلامس القلب لا تحتاج جواز سفر.
✦ المايسترو عدنان فتح الله… قائد يكتب هوية موسيقية لسوريا
بقيادة المايسترو فتح الله، بدت الفرقة كأنها تُعيد رسم ملامح الموسيقا الشرقية، وتقدّمها للعالم برؤية سورية حديثة.
كل حركة من يده كانت تُطلق حياة جديدة في الآلات، وكل إشارة كانت تُعيد ترتيب الجملة الموسيقية لتصبح أكثر وضوحًا، أكثر نضجًا، وأكثر قدرة على مخاطبة جمهور دولي.
في نهاية الأمسية، لم تكن الموسيقا مجرد نغم… بل كانت هوية تُعرَض على العالم.
خرج الجمهور محمّلًا بالدهشة، وخرجتُ أنا محمّلة بيقين واحد:
أن الموسيقا السورية، حين تُقدَّم بهذا المستوى من الاحتراف والشغف، لا تبقى محصورة في حدود المكان، بل تتحول إلى رسالة ثقافية عالمية…
وإلى وطنٍ يُعاد عزفه كل ليلة.

