كتب : الكاتبة / د. فاطمة عيسى
الوجه المظلم للذكاء الاصطناعي
يشهد العالم ثورة تقنية غير مسبوقة بفضل قفزات الذكاء الاصطناعي المتسارعة، والتي باتت تدخل في تفاصيل حياتنا اليومية والمهنية والعلمية كافة، ورغم الفوائد الهائلة التي تقدمها لنا هذه التكنولوجيا، إلا أن الكواليس تخفي خلفها مخاوف حقيقية ومخاطر داهمة.
في هذا السياقع، طالعتنا الصحف العالمية والمواقع الإلكترونية عما جاء في التقرير الأخير الصادر عن شركة “أنثروبيك” (Anthropic) الرائدة في مجال الذكاء الاصطناعي، ليكشف النقاب عن الوجه المظلم لهذه التقنية، مسلطاً الضوء على إساءة استخدام النماذج في مجالات بالغة الخطورة، ومطلقاً صافرات إنذار مدوية تدعو إلى ضرورة الاستخدام الحذر والواعي.
كشف التقرير الأمني الصادر عن الشركة (والذي رصد أنشطة ومحاولات استغلال عبر نماذج مثل عائلة “كلود” Claude) عن جوانب مظلمة ومقلقة لاستخدام الذكاء الاصطناعي.
وتمثلت أبرز المخاطر المرصودة في الاختراق والعمليات السيبرانية الخبيثة عن طريق استغلال الأطراف الخبيثة والجهات المدعومة دولياً للنماذج في شن هجمات سيبرانية متقدمة، وهندسة البرمجيات الخبيثة التي تعيد كتابة نفسها لتتجاوز الأنظمة الأمنية.
كما رصد محاولات لاستخدام القدرات المتقدمة للذكاء الاصطناعي في مجالات تتعلق بتطوير أبحاث البيولوجيا الخطرة (مثل دراسات كسب الوظيفة للفيروسات والسموم)، وهو ما يهدد بإنتاج أسلحة بيولوجية أو تفشي أوبئة مصطنعة ، كذلك كشف التقرير عن استخدام الذكاء الاصطناعي في محاكاة وتحسين برمجيات تخص الحروب الإلكترونية والدفاعات الجوية وتوجيه الطائرات المسيرة (الدرونز) والصواريخ.
كما وظفت النماذج في حملات التأثير الممنهج، التجسس الرقمي، وهندسة رسائل التصيد الاحتيالي واسعة النطاق لاختراق المؤسسات والحكومات.
إن هذه التقارير والاعترافات من قلب عمالقة التقنية تؤكد أن الذكاء الاصطناعي “سلاح ذو حدين”؛ فمثلما يمكن أن يكون مساعداً عبقرياً في الطب والتعليم والإنتاجية، فإنه يحمل طاقة تدميرية هائلة في حال وقع في الأيدي الخاطئة أو تم التعامل معه باستهتار.
ولحماية أنفسنا ومجتمعاتنا، يجب تبني استراتيجيات واعية ومسؤولة عن طريق نشر الوعي بمخاطر الذكاء الاصطناعي وعدم التعامل مع أدوات الذكاء الاصطناعي باعتبارها كائنات معصومة أو آمنة تماماً، وإدراك أن البيانات المدخلة قد توظف بطرق غير متوقعة.
دعم الجهود الدولية والمحلية لسن قوانين تفرض رقابة طرف ثالث وتقييمات أمان صارمة على الشركات المطورة للذكاء الاصطناعي المتقدم.
وضرورة التثقيف المستمر حول الأمن السيبراني وعدم الانصياع وراء الاستخدامات المضللة أو المشبوهة لهذه التقنيات.
خلاصة المقال: إن تقرير “أنثروبيك” ليس مجرد وثيقة تقنية عادية، بل هو جرس إنذار مبكر يخبرنا أن قوة الذكاء الاصطناعي باتت تتجاوز أحياناً قدرة صانعيه على السيطرة الكاملة عليه، و إن الوعي بالمخاطر والتمسك بالحذر والمسؤولية الأخلاقية هما درعنا الوحيد لضمان أن يظل الذكاء الاصطناعي خادما للبشرية لا مهدد لو وجودها.
