كتب : دينا كمال
العراق: من يسيطر على دولارات النفط بعد الانسحاب الأميركي؟
مع انتهاء الوجود العسكري الأميركي في العراق، برز سؤال جديد حول مصير عائدات النفط العراقية.
وتتدفق مليارات الدولارات من صادرات النفط إلى حسابات يديرها البنك المركزي العراقي في نيويورك.
ويطرح ذلك تساؤلات حول استمرار النفوذ الأميركي بعد انسحاب القوات من العراق.
يعتمد الاقتصاد العراقي بصورة كبيرة على النفط، الذي يمثل نحو 90% من إيرادات الموازنة العامة.
لذلك، يؤثر أي تغير في تدفقات الدولار مباشرة على سعر الصرف والتضخم والتجارة.
وتُعد عائدات النفط المودعة في نيويورك من الملفات الحساسة بين بغداد وواشنطن.
من بغداد إلى نيويورك
بعد الغزو الأميركي عام 2003، أُنشئ صندوق تنمية العراق لجمع عائدات النفط.
وكان الهدف حماية الأموال العراقية من المطالبات القانونية المرتبطة بالنظام السابق.
ومع مرور الوقت، تحول الصندوق إلى حساب للبنك المركزي العراقي لدى الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك.
وما زال هذا الترتيب قائمًا حتى اليوم.
ووفق مسؤولين عراقيين، وفر النظام حماية مالية مهمة للعراق على مدار عقود.
كما عزز ثقة المؤسسات الدولية وسهّل الحصول على الدولار اللازم للواردات.
وساهم كذلك في حماية الأصول العراقية من المطالبات والدعاوى الخارجية.
في المقابل، يرى منتقدون أن الترتيب منح الولايات المتحدة نفوذًا كبيرًا على الاقتصاد العراقي.
وتعتمد هذه الرؤية على مرور الإيرادات النفطية عبر النظام المالي الأميركي قبل وصولها إلى بغداد.
الدولار والسوق العراقية
اعتمد البنك المركزي العراقي لسنوات على مزاد العملة لضخ الدولار في السوق المحلية.
وكانت المصارف وشركات الصرافة تشتري الدولار لتغطية الواردات والتحويلات التجارية.
لكن واشنطن ضغطت لتشديد الرقابة على حركة الأموال ومنع وصول الدولار إلى جهات خاضعة للعقوبات.
وفي مطلع 2025، انتهى العمل رسميًا بنظام المزادات التقليدي.
وحلّت مكانه آليات أكثر صرامة لمراقبة التحويلات الخارجية.
ومنذ ذلك الوقت، اتسعت الفجوة بين السعر الرسمي للدينار وسعر السوق الموازية.
ولا ترتبط المشكلة بنقص الاحتياطيات الأجنبية بقدر صعوبة الوصول إلى الدولار الرسمي.
ويواجه آلاف التجار وبعض الأنشطة التجارية صعوبة في استيفاء متطلبات النظام المصرفي.
لذلك، يلجأ بعضهم إلى شراء الدولار من السوق الموازية بأسعار أعلى.
وأدت هذه الفجوة إلى استفادة المضاربين والوسطاء من فروقات الأسعار.
في المقابل، تتحمل الشركات والمستهلكون تكاليف إضافية تنعكس على أسعار السلع والتضخم.
هل يستعيد العراق سيادته المالية؟
مع انتهاء الوجود العسكري الأميركي، تصاعد الجدل حول إدارة عائدات النفط والاحتياطيات العراقية.
وتبرز مقترحات لنقل جزء من الاحتياطيات إلى مراكز مالية خارج الولايات المتحدة.
لكن تطبيق ذلك يواجه تحديات بسبب اعتماد العراق على الدولار في التجارة العالمية.
فالنفط العراقي يُباع بالدولار، بينما تُسدد معظم الواردات العراقية بالعملة نفسها.
وقد يؤدي الابتعاد السريع عن النظام المالي الأميركي إلى صعوبات في التسويات التجارية.
كما قد يؤثر ذلك على وصول العراق إلى الأسواق المالية العالمية.
ويرى اقتصاديون أن العراق يستطيع تنويع احتياطياته تدريجيًا لتقليل المخاطر.
وتشمل الخيارات زيادة حصة الذهب، والتعامل باليورو أو اليوان، وتوسيع شبكة المصارف المراسلة.
لكن هذه الخطوات تمثل تنويعًا للمخاطر، وليست بديلًا سريعًا للدولار.
النفط يبقى المشكلة الأكبر
رغم الجدل حول حسابات نيويورك، يبقى الاعتماد على النفط أكبر تحدٍ للاقتصاد العراقي.
ويمثل الخام نحو 90% من إيرادات الدولة، ما يجعل المالية العامة عرضة لتقلبات الأسعار.
وتزداد المخاوف مع توقعات بانكماش الاقتصاد خلال 2026 بسبب ضغوط سوق النفط.
كما قد يؤدي تراجع النشاط الاقتصادي إلى زيادة الضغوط على المالية العامة.
وأي انخفاض حاد في عائدات النفط ينعكس سريعًا على سعر الصرف والإنفاق الحكومي.
لذلك، لا ترتبط السيادة المالية بمكان الاحتياطيات فقط.
وتتطلب حماية الاقتصاد تطوير مصادر دخل بديلة تقلل الاعتماد على النفط.
وتشمل البدائل الصناعة والزراعة والخدمات والسياحة والاستثمار الخاص.
ما بعد الانسحاب الأميركي
يكشف مسار الدولار العراقي أن انتهاء الوجود العسكري الأميركي لا يعني انتهاء النفوذ الاقتصادي.
فالقوات الأميركية غادرت قواعدها، بينما بقي جزء مهم من النظام المالي مرتبطًا بالولايات المتحدة.
وبالتالي، يتحول السؤال من السيطرة على الأرض إلى السيطرة على تدفقات الدولار.
وستظل هذه العلاقة قائمة طالما يعتمد العراق على النفط والدولار بشكل أساسي.
ويحتاج العراق إلى تنويع اقتصاده وزيادة موارده غير النفطية لتقليل هذا الاعتماد.
