كتب : بقلم الإعلامية الدكتورة/شيماء الشافعي
فوضي الروح وترتيب النفس
كلنا نعتقد بأننا نحتاج الي شخص جديد ينقذنا يمكن علاقة جديدة او شغل جدید او مکان جدید
بس الحقيقة اللي بنتهرب منها ان التعب مش من الطريق
التعب من النسخة القديمة مننا اللي ماشية في الطريق
ولذلك ستدرك ان كل ما تحتاجه ليس الهروب من الحياة بل تحتاج وقفة مع نفسك
فالحقيقة الفعلية التي ستدركها فيما بعد اننا احياناً لا نحتاج إلى أشخاص جدد في حياتنا بل نحتاج إلى نسخة جديدة من أنفسنا
في بعض مراحل العمر لا يكون التعب من الطريق نفسه بل من كثرة ما حملناه معنا ونحن نسير
فنتعب من الذكريات التي استهلكت قلوبنا ومن المعارك التي خضناها أكثر مما ينبغي
ومن الأشخاص الذين منحناهم من أرواحنا ما لم يمنحوه لنا يوماً
عندها لا نحتاج إلى الهروب من الحياة بل نحتاج إلى الوقوف قليلاً أمام أنفسنا كمن يُطفئ ضجيج العالم للحظات ثم يسأل قلبه بهدوء ماذا بقي مني بعد كل هذا
وليست كل البدايات الجديدة مرتبطة بالمكان
لان احيناً يظن البعض أن البداية الجديدة تعني السفر أو تغيير العمل أو مغادرة الأشخاص
لذلك قبل ان تفكر ان تسافر وقبل ان تفكر ان تترك و قبل ان تفكر تبدأ من الصفر اسأل نفسك سؤال واحد بهدوء ماذا بقي مني بعد كل هذا
لأن أعظم البدايات لا تبدأ بخطوة للخارج بل بقرار من الداخل
ولذلك فإن أعظم البدايات لا تحدث خارجنا بل تحدث حين تتغير طريقة نظرتنا إلى الحياة
وحين نتوقف عن مطاردة ما يؤذينا وعن استنزاف مشاعرنا في معارك خاسرة وعن انتظار التقدير من الأماكن الخطأ
فأحياناً تكون البداية الجديدة قراراً داخلياً فقط وهي أن نختار أنفسنا اخيرا ً
فالفلسفة الأعمق للبدايات
ان الكتاب لا يصبح أجمل لأنه خالٍ من الصفحات الحزينة بل لأنه استمر رغمها
وكذلك الإنسان ليس المطلوب منه أن يمحو ماضيه ولا أن ينكر خيباته ولا أن يتظاهر بأن شيئاً لم يحدث
بل أن يتصالح مع ما حدث ثم يضع نقطة في نهاية الفصل بدلاً من أن يضعها في نهاية القصة
فالخسارات ليست دائماً نهايات بل قد تكون إعادة توجيه للروح نحو طريق أكثر صدقًاً
فبعض القلوب تحتاج إلى ترميم لا إلى انتقام
فكم من إنسان قضى سنوات يحاسب نفسه على أخطاء الأمس
وكم من روح ظلت أسيرة خيبة قديمة رغم أن الحياة كانت تفتح لها أبواباً جديدة كل يوم
فالحكمة ليست أن نبقى عالقين فيما انكسر بل أن نتعلم كيف نبني مما تبقى
فالزجاج المكسور لا يعود كما كان لكن الإنسان يملك نعمة لا يملكها الزجاج وهي أنه يستطيع أن يبدأ من جديد
وما دام في العمر بقية فالباب لم يُغلق وما دام القلب ينبض فالأمل ما زال حياً
فالله الذي أخرج الربيع من قلب الشتاء قادر على أن يخرج من أوجاعك بداية لم تكن تتخيلها
فنحتاج احياناً إلى أن نغلق بعض الأبواب لا كرهاً لما خلفها بل احتراماً لما تبقى داخلنا
نحتاج أن نرتب فوضى أرواحنا ونغفر لأنفسنا ونكف عن حمل ما انتهى ثم نكتب في أعلى الصفحة الجديدة
هنا تبدأ نسخة أكثر وعياً لا أكثر قسوة
فالحياة لا تكافئ الذين لم يسقطوا أبدًا بل أولئك الذين سقطوا وتألموا ثم امتلكوا الشجاعة ليبدؤوا مرة أخرى
فليس أجمل ما في الحياة أن تبدأ من الصفر بل أن تبدأ من جديد وأنت تحمل من الحكمة ما لم تكن تملكه في المرة الاولى

