كتب : يسرا عبدالعظيم
روسيا تؤكد اهتمامها باستئناف العلاقات الاقتصادية مع الولايات المتحدة: رسائل انفتاح وسط تعقيدات جيوسياسية
جدد الكرملين تأكيده أن موسكو لا تزال مهتمة باستئناف العلاقات التجارية والاقتصادية مع الولايات المتحدة، معتبرًا أن التعاون بين الجانبين يمكن أن يحمل “منفعة متبادلة حقيقية”، في إشارة تعكس استعدادًا روسيًا مبدئيًا لإعادة فتح قنوات اقتصادية رغم استمرار التوترات السياسية والعقوبات الغربية.
رسالة سياسية بغطاء اقتصادي
التصريحات الصادرة عن الكرملين تأتي في سياق دولي بالغ الحساسية، حيث تخضع روسيا لحزم واسعة من العقوبات الأمريكية والأوروبية منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا. وفي هذا الإطار، تبدو الإشارة إلى “المنفعة المتبادلة” محاولة لإبراز البعد البراغماتي للعلاقات الاقتصادية، بعيدًا عن الاستقطاب السياسي الحاد.
موسكو تدرك أن الاقتصاد الأمريكي لا يزال أحد أكبر الاقتصادات في العالم من حيث حجم السوق والتكنولوجيا والاستثمار، كما أن الشركات الأمريكية كانت قبل الأزمة من بين أبرز المستثمرين في قطاعات الطاقة والتكنولوجيا والصناعة داخل روسيا. ومن ثم فإن أي عودة – ولو جزئية – للعلاقات التجارية قد تعني تدفقات استثمارية وتكنولوجية مهمة.
المصالح الاقتصادية المحتملة
على المستوى النظري، تمتلك العلاقات الروسية-الأمريكية مقومات تكامل في عدد من القطاعات، أبرزها:
الطاقة: رغم التنافس الجيوسياسي، فإن أسواق الطاقة العالمية تتطلب قدرًا من التنسيق غير المباشر بين كبار المنتجين.
الزراعة والحبوب: روسيا لاعب رئيسي في صادرات الحبوب والأسمدة، ما يمنحها ثقلاً في الأمن الغذائي العالمي.
التكنولوجيا والصناعات المتقدمة: كانت الشركات الأمريكية تمثل مصدرًا مهمًا للتقنيات والبرمجيات قبل فرض القيود.
غير أن استئناف هذه العلاقات يظل مرهونًا بتغيرات سياسية جوهرية، إذ لا يمكن فصل الاقتصاد عن السياق الاستراتيجي العام بين البلدين.
العقوبات… العقبة الأساسية
العقوبات الأمريكية المفروضة على موسكو تشمل قطاعات حيوية مثل البنوك، والطاقة، والصناعات الدفاعية، بالإضافة إلى قيود على التحويلات المالية والتكنولوجيا. وبالتالي فإن أي تطور إيجابي في العلاقات الاقتصادية يتطلب إعادة تقييم لهذه القيود، وهو أمر يرتبط بتطورات الملف الأوكراني ومواقف الإدارة الأمريكية والكونغرس.
في المقابل، اتجهت روسيا خلال السنوات الأخيرة إلى تعزيز شراكاتها مع الصين والهند ودول آسيا والشرق الأوسط، في محاولة لتقليل الاعتماد على الأسواق الغربية. ما يعني أن العودة إلى التعاون مع واشنطن – إن حدثت – ستكون في إطار توازنات جديدة، وليس بالضرورة عودة إلى نمط ما قبل 2022.
قراءة في التوقيت
إثارة هذا الملف الآن قد تعكس رغبة روسية في اختبار المزاج السياسي الأمريكي، أو إرسال إشارة للأسواق الدولية بأن موسكو لا تغلق الباب أمام مسارات تهدئة اقتصادية مستقبلية. كما قد يكون التصريح موجهًا أيضًا للمستثمرين العالميين للتأكيد على أن روسيا ما تزال ترى نفسها جزءًا من المنظومة الاقتصادية الدولية.
بين الواقعية والطموح
رغم اللهجة الإيجابية في تصريح الكرملين، تبقى احتمالات استئناف العلاقات التجارية والاقتصادية بين موسكو وواشنطن مرتبطة بمتغيرات سياسية معقدة. فالتشابك بين الاقتصاد والأمن القومي في العلاقة بين البلدين يجعل أي تقارب اقتصادي انعكاسًا مباشرًا لتحول سياسي أوسع.
في المحصلة، يعكس التصريح الروسي رغبة معلنة في إبقاء قنوات الاقتصاد مفتوحة نظريًا، لكن ترجمتها عمليًا تتطلب تغيّرًا ملموسًا في البيئة الجيوسياسية، وهو ما لم تتضح مؤشراته بعد.


