كتب : دكتورة - سيما حقيقي
اللون في الطفولة… بداية التعبير دون كلمات
دكتورة – سيما حقيقي
في بداياتنا الأولى، قبل أن نتقن الحروف أو نعرف كيف نُسمّي الأشياء، كان اللون هو لغتنا الأولى.
خطوط غير متوازنة، بقع عشوائية، ودوائر لا تكتمل… لكنها كانت تقول الكثير.
فالطفل لا يرسم ليُدهش، ولا يختار اللون ليتوافق مع ذوق أحد؛ هو فقط يفتح نافذة صغيرة من داخله، ويترك ما لا يُقال ينساب على الورق.
وحين تمتد اليد الصغيرة نحو الورق للمرة الأولى، فإنها لا تفعل ذلك لتبوح، بل لتتعرّف.
تمسك القلم بكفّها كاملة، تجرّبه مرّة بضغط قوي ومرّة بخفّة، فتخرج الخربشات من المصادفة أكثر مما تخرج من القصد. يتنقّل الطفل بين الألوان واحدًا تلو الآخر، يتفاجأ بالبقعة التي تتركها حركة قصيرة، وبالأثر الذي يرسمه السحب والدفع، فتتكوّن في داخله علاقة جديدة بين الحركة وما تخلّفه على الصفحة. ومع كل محاولة، يخزّن الدماغ هذه الخبرات الحسية: ملمس الأداة، صوت الاحتكاك، رائحة الورق، صورة الأثر. تتكاثر التجارب، فتقوى المهارات الحركية الدقيقة شيئا فشيئاً تتحوّل الخربشة إلى خطّ يمكن تتبّعه، ثم دائرة غير مكتملة، ثم شكل يوشك أن يستقرّ. عند هذه العتبة بالذات تبدأ الذائقة في الظهور بهدوء، ويبدأ اللون في حمل ما يشعر به الطفل تلك اللحظة، ليس بقصد التعبير، بل لأن التجربة نفسها صارت لغةً يفهمها جسده أولًا ثم وعيه.
الطفل لا يحتاج أن يتقن الحروف ليقول شيئًا… فهو يرسم قبل أن يكتب، يُمسك الألوان قبل أن يكوّن الجملة، ويبوح بخطٍّ واحد على ورقة… أكثر مما نستطيع أن نقرأه في صفحة.
اللون، بالنسبة للطفل، ليس زينة… بل لغة داخلية. فهو لا يختار الأحمر لأنه جريء، أو الأزرق لأنه هادئ، بل لأنه يشعر بشيء ما لا يستطيع أن يعبّر عنه بصوت… فيختاره لونًا.
عندما يُمسك الطفل أول أقلامه، لا يقلّد… بل يكشف عن داخله كما هو: فوضويًا أو مرتبًا، غامقًا أو مضيئًا، مليئًا أو ناقصًا… وكل لون، في تلك المرحلة، ليس اختيارًا جماليًا، بل انعكاس شعوري.
في الورش الفنية المفتوحة، كثيرًا ما نمنح الأطفال ألوانًا دون تعليمات، ونكتفي بالمراقبة:
• هناك من يُغرق الورقة بالأخضر، وكأنه يبحث عن حضنٍ ما.
• وهناك من يرسم أشكالًا مغلقة، وكأنه لا يريد أن يدخل أحد إلى عالمه.
• وهناك من يترك الزوايا بيضاء، كما لو أنه يقول: “هنا… ما زلتُ لا أعرف كيف أشرح.”
في تلك اللحظات، لا نرى رسمة فقط، بل نُبصر شيئًا من داخل الطفل لم يُقَل بصوت.
فالطفولة، بطبيعتها، ممتلئة بما لا يُقال. ولذلك، يكون الفن أحد أصدق الوسائل لفهمها، وللتعامل مع ما لا يُقال صراحة: الخوف، الغيرة، الوحدة، وحتى الغضب، كلها تظهر في اللون قبل أن تُلفظ بالكلام.
اللون في الطفولة لا يكذب. الخطّ المرتبك، التكرار، استخدام الأسود في غير موضعه، اختيار لونٍ واحد وتجاهل الباقي… كلها ليست تفاصيل عشوائية، بل رسائل صغيرة من داخلٍ لم يعتد أن يُصغي له أحد.
غالبًا ما يُفاجئنا الأطفال عندما نمنحهم الحرية دون توجيه: فهناك طفل يرسم بابًا بلا مقبض. وهنا طفلة تكرّر رسم الشمس في المكان نفسه، بلون واحد، وكأنها تبحث عن وضوح لا تراه حولها.
الطفل لا يبالغ، ولا يجامل، ولا يُزيّن. إنه يرسم كما يشعر، لا كما يُتوقَّع منه أن يشعر. وهنا تكمن أهمية ألا نُقيّم الرسم، بل أن نُصغي لما يقوله دون أن يقصد.
الفن مع الأطفال ليس وسيلة للتعليم فقط، بل مساحة حرة ليكتشفوا بها أنفسهم. فحين يُمنح الطفل الفرصة ليرسم بلا تعليمات، فهو لا يخرج فنه فقط، بل يخرج نفسه… كما هي، دون أقنعة، ودون “ينبغي” أو “لا يصح”.
في الطفولة، يبدأ الفن كما يبدأ الحلم: صامتًا… لكنه مليء بكل ما لم نكن نعرف كيف نقوله. لأن الطفل لا يبحث عن إعجاب، ولا يرسم ليراه أحد… هو فقط يُفرغ ما لم يعرف كيف يخبّئه.
فكل لون يضعه، هو نَفَس، وكل خطّ عشوائي، هو أثر لما شعر به، حتى دون أن يُسميه.
وغالبًا ما تكون رسومات الطفل أقرب إلى “بصمة شعورية” منها إلى شكل فني. فيها من الصدق أكثر مما في آلاف الكلمات.
وكل مرة يُمسك فيها اللون، يُعيد رسم جزء من خريطته الداخلية دون أن يعلم.
لون يُكرّره… لأنه يُشعره بالأمان.
شكل يُعيده… لأنه يُشبه عالمه الداخلي.
وفراغ يتركه… لأنه لا يعرف كيف يملأه.
تتأثر اختيارات الطفل كثيرًا بالبيئة من حوله، فعلى سبيل المثال:
الطفل القلق يرسم بسرعة ويتنقّل بين الألوان بلا استقرار. والطفل المنطوي قد يركّز على الزوايا أو يستخدم ألوانًا باهتة.أما الطفل الذي يعيش أمانًا عاطفيًا غالبًا ما يُعبّر بثقة ويملأ المساحة دون تردّد.
فنجد أن الفن يساعدنا أن نرى هذا… أن نصغي دون أن نتدخل، أن نسمح له أن يتكلم بلغته الأولى… لغة اللون.
وفي علم النفس التنموي، تُعتبر رسومات الأطفال وسيلة غنية لفهم ما لا يُقال لفظيًا.
ففي الرسم، يُعاد تمثيل ما خَبِره الطفل عاطفيًا، سواء كان فرحًا أو توترًا أو فقدًا أو دهشة. دون تحليل مبالغ، فقط بإنصات حقيقي.
ولعل أجمل ما في الفن حين يولد من الطفولة، أنه لا يعرف المجاملة، ولا التزيين، بل يأتي صادقًا… كما هو، وكما كنا نحن، قبل أن نتعلّم كيف نُخفي ما نشعر به. فالفن لا يُعلّم الطفل كيف يتكلم، بل يُعلّمه كيف يسمع صوته من الداخل، وكيف يرسمه بعفوية… ودون خوف.
في النهاية، لا نحتاج أن نسأل الطفل كثيرًا: “ما الذي رسمته؟” بل أن نُصغي لما لم يستطع قوله… بلونٍ اختاره قلبه قبل عقله. لأن ما يرسمه الطفل ليس فنًا للعرض، بل خريطةٌ صغيرة لروحه، تُشير إلى حيث كان، وحيث هو الآن، وربما إلى أين يريد أن يكون.
وحين ننظر إلى رسومات الأطفال، لا نرى أشكالًا وخطوطًا فقط، بل نرى محاولات صغيرة لترتيب عالمهم الداخلي. كل خطّ غير مكتمل هو بداية، وكل لون مُبالغ فيه هو شعور يبحث عن صدى، وكل فراغ هو مساحة تنتظر صوتًا لم يخرج بعد.
الفن في الطفولة ليس أداة للترفيه أو اختبارًا لموهبة، بل مرآة صافية تعكس ما لا تستطيع الكلمات أن تحمله.
إنه البوح الأول… اللغة التي سبقت اللغة، والصوت الذي لم يتعلّم أن يختبئ بعد.
وحين نصغي لهذا البوح، نُدرك أن الطفل لا يحتاج أن نقول له: “أحسنت” أو “أخطأت”. بل يحتاج فقط أن نرى ما رسمه بعين القلب، وأن نقول له: “أنا أراك.”
فهو حين يرسم، لا يُزيّن نفسه لعيون الآخرين، بل يكتب حقيقته بخطوط غير مستقيمة، ويترك لنا أثرًا صادقًا، يذكّرنا بذلك الطفل الصغير الذي لا يزال يسكننا… والذي لم يتعلّم بعد كيف يخفي شعوره.
عدد المشاهدات: 0


