كتب : بقلم: أنيسة العمودي
*اليمنيون في المنافي… حكاية شعبٍ يبحث عن وطنٍ يحتضنه*
ليس مؤلمًا أن يهاجر الإنسان بحثًا عن فرصةٍ أفضل فحسب، بل أن تصبح الهجرة قدرًا تتوارثه الأجيال، حتى يغدو الوطن ذكرى تسكن القلوب أكثر مما يُعاش على أرض الواقع.
اليمن، ذلك البلد العريق الذي خطّ اسمه في صفحات التاريخ منذ آلاف السنين، والذي أنجبت أرضه حضاراتٍ عظيمة وامتلك من المقومات الطبيعية والبشرية ما يؤهله ليكون في مصاف الدول المزدهرة، يقف اليوم شاهدًا على واحدةٍ من أكبر المفارقات؛ فبينما يزخر بتاريخه وثرواته، يعيش ملايين من أبنائه بعيدًا عنه، موزعين بين المنافي وبلدان الاغتراب.
حمل اليمنيون أوطانهم معهم أينما رحلوا، فأسهموا في بناء المجتمعات التي احتضنتهم، ونجحوا في التجارة والعلم والإدارة والعمل الإنساني.
وأثبتوا أن المشكلة لم تكن يومًا في الإنسان اليمني، بل في الظروف التي دفعته إلى البحث عن مستقبله خارج حدود وطنه.
ويتساءل كثيرون: كيف لوطنٍ بهذه العراقة أن يفقد أبناءه واحدًا تلو الآخر؟ وكيف تحولت الهجرة من خيارٍ مؤقت إلى أسلوب حياةٍ دائم لدى كثير من الأسر اليمنية؟.
إن الإجابة لا تكمن في سببٍ واحد، بل في تراكماتٍ طويلة من الأزمات والصراعات والتحديات الاقتصادية التي أضعفت مؤسسات الدولة وأثرت على حياة المواطن اليومية.
ومع تراجع فرص العمل والاستقرار، وجد كثير من اليمنيين أنفسهم مضطرين إلى الرحيل، لا حبًا في الغربة، بل بحثًا عن حياةٍ أكثر أمنًا وكرامة.
وفي خضم هذه المعاناة، يبرز سؤالٌ إنساني مهم: أين موقع الإنسان اليمني في خطط الحماية والرعاية؟ وأين الاستراتيجيات التي تحفظ حقوقه وتدافع عن مصالحه سواء داخل الوطن أو خارجه؟.
فالمواطن لا يحتاج إلى الشعارات بقدر حاجته إلى أن يشعر بأن هناك من يصون كرامته ويحفظ حقوقه ويقف إلى جانبه في مواجهة تحديات الحياة. فحقوق الإنسان ليست ترفًا سياسيًا، بل أساس الاستقرار والتنمية وبناء المستقبل.
ورغم كل ما مرّ به اليمن، ما زال أبناؤه يحملون حبّه في قلوبهم. يتحدثون عنه بحنينٍ لا ينطفئ، ويروون لأبنائهم قصصه وتاريخه وجماله، وكأنهم يحاولون إبقاء الوطن حيًا في الذاكرة حتى وإن ابتعدت بهم المسافات.
أعظم ثروةٍ تملكها الأمم هي هذا الإنسان الذي كرمه الله سبحانه وتعالى.
وعندما يشعر الإنسان بالأمان والعدالة والفرص المتكافئة، يصبح قادرًا على بناء وطنه والدفاع عنه والإسهام في نهضته، يحدث الفرق.
ويبقى الأمل قائمًا بأن يأتي يومٌ يجد فيه اليمني وطنًا يحتضنه كما احتضن هو وطنه في قلبه طوال سنوات الغربة، يومٌ تصبح فيه العودة حلمًا ممكنًا لا أمنيةً بعيدة، ويستعيد فيه الوطن أبناءه الذين لم يغادروه يومًا إلا بأجسادهم، أما أرواحهم فقد ظلت معلقةً به مهما ابتعدت المسافات.

