كتب : صفاء مصطفى... العرب نيوز اللندنية
تشهد إيران موجة اعتقالات واسعة النطاق، في أعقاب تصاعد الاحتجاجات الشعبية في عدد من المدن، وسط تقارير متزايدة عن لجوء السلطات إلى احتجاز المحتجين في مستودعات ومرافق سرية بعيدًا عن السجون الرسمية، ما أثار مخاوف حقوقية داخلية ودولية بشأن مصير الموقوفين وظروف احتجازهم.
وبحسب تقارير متداولة، نفذت الأجهزة الأمنية الإيرانية خلال الأيام الأخيرة حملات دهم واعتقال مكثفة، استهدفت مشاركين في الاحتجاجات، إضافة إلى نشطاء سياسيين ومدنيين، وطلاب جامعات، وشخصيات معروفة بنشاطها المعارض على مواقع التواصل الاجتماعي. وأفادت المصادر بأن الاعتقالات طالت رجالًا ونساءً، بينهم قُصّر، في مشهد يعكس حجم القلق الرسمي من اتساع رقعة الغضب الشعبي.
وأشارت المعلومات إلى أن السلطات، في ظل الأعداد الكبيرة للموقوفين، لجأت إلى استخدام مواقع غير تقليدية لاحتجازهم، من بينها مستودعات صناعية، ومبانٍ تابعة لمؤسسات حكومية، ومرافق أمنية غير معلنة، بدلًا من نقلهم إلى السجون المعروفة. ووفق هذه التقارير، فإن بعض المحتجزين يُمنعون من التواصل مع عائلاتهم أو توكيل محامين، ما يزيد من المخاوف بشأن تعرضهم لانتهاكات جسدية أو نفسية.
وتأتي هذه الحملة الأمنية في سياق احتجاجات اندلعت على خلفيات اقتصادية واجتماعية وسياسية، شملت ارتفاع الأسعار، وتدهور الأوضاع المعيشية، وقيود الحريات العامة، إلى جانب مطالبات بإصلاحات سياسية أوسع. ورغم محاولات السلطات احتواء الموقف عبر الانتشار الأمني المكثف، فإن التظاهرات استمرت في بعض المناطق، ما دفع الأجهزة الأمنية إلى تشديد قبضتها.
مصادر حقوقية تحدثت عن ظروف احتجاز وصفتها بـ«القاسية»، مشيرة إلى أن بعض الموقوفين يُحتجزون في أماكن تفتقر إلى الشروط الإنسانية الأساسية، مع نقص في التهوية والرعاية الطبية، وتعرضهم لتحقيقات مطولة. كما أفادت عائلات محتجين بأنهم يواجهون صعوبة في الحصول على أي معلومات رسمية عن أماكن احتجاز أبنائهم أو التهم الموجهة إليهم.
في المقابل، بررت السلطات الإيرانية هذه الإجراءات بأنها ضرورية لـ«حفظ الأمن والاستقرار»، متهمة أطرافًا خارجية بالتحريض على الاضطرابات، ومحذرة من ما وصفته بمحاولات «زعزعة النظام العام». وأكدت أن جميع الإجراءات المتخذة تتم في إطار القانون، وأن المحتجزين سيخضعون للتحقيق وفق الأطر القضائية المعمول بها.
غير أن منظمات حقوقية دولية أعربت عن قلقها البالغ إزاء هذه التطورات، معتبرة أن استخدام مرافق سرية للاحتجاز يمثل انتهاكًا صارخًا للمعايير الدولية، وطالبت بالكشف عن أماكن وجود جميع الموقوفين، وضمان حقوقهم القانونية، بما في ذلك الحق في التواصل مع ذويهم ومحاميهم، وعدم التعرض للتعذيب أو المعاملة القاسية.
ويرى مراقبون أن لجوء السلطات إلى الاعتقالات الجماعية والاحتجاز غير المعلن يعكس حجم التحدي الذي تواجهه في التعامل مع الاحتجاجات المتجددة، مؤكدين أن الحلول الأمنية وحدها قد تؤدي إلى مزيد من الاحتقان، بدلًا من تهدئة الشارع الغاضب.
ومع استمرار الغموض بشأن مصير آلاف المحتجزين، تتجه الأنظار إلى الأيام المقبلة لمعرفة ما إذا كانت السلطات ستواصل نهج التشدد الأمني، أم ستلجأ إلى إجراءات سياسية واقتصادية لاحتواء الأزمة، في وقت يزداد فيه الضغط الداخلي والدولي لكشف حقيقة ما يجري خلف الأبواب المغلقة في إيران.


