كتب : صفاء مصطفى... العرب نيوز اللندنية
لاحظ كثير من الناس أن النساء غالبًا ما يشعرن بالبرد أكثر من الرجال في نفس الظروف البيئية، سواء في المنزل أو المكتب أو أثناء الخروج في أجواء باردة. هذه الظاهرة ليست مجرد انطباع شخصي، بل لها أساس علمي وفسيولوجي معقد يعود إلى اختلافات في تركيب الجسم، الأيض، الهرمونات، وتوزيع الحرارة.
على الرغم من أن درجة حرارة الجسم الأساسية لدى الرجال والنساء متقاربة إلى حد كبير، إلا أن الإحساس بالبرد غالبًا ما يكون أقوى عند النساء. يرجع ذلك في المقام الأول إلى فروق في تركيب الجسم؛ فالرجل يمتلك عادة عضلات أكثر، بينما تمتلك المرأة نسبة أعلى من الدهون تحت الجلد. العضلات تُعد نسيجًا يعتمد على التمثيل الغذائي لإنتاج الحرارة، وبالتالي الرجال يولدون حرارة أكثر بشكل طبيعي مقارنة بالنساء. في المقابل، الدهون قد توفر طبقة عزل لكنها لا تساهم بشكل كبير في توليد الحرارة، ما يجعل انتقال الحرارة إلى الجلد وبقية الأطراف أقل فعالية.
معدل الأيض (Basal Metabolic Rate) لدى النساء عادةً أقل من الرجال، ما يعني أن أجسامهن تنتج حرارة أقل أثناء الراحة. هذا الانخفاض في توليد الحرارة يجعل النساء أكثر عرضة للشعور بالبرد، خاصة عندما تنخفض درجات الحرارة الخارجية.
إضافة إلى ذلك، الفرق في تدفق الدم يلعب دورًا مهمًا في الإحساس بالبرد. عند التعرض للبرودة، يقوم الجسم بعملية تُعرف باسم انقباض الأوعية الدموية الطرفية (Vasoconstriction) لتقليل فقدان الحرارة والحفاظ على دفء الأعضاء الحيوية في الجسم. تميل أجسام النساء إلى أن تكون أكثر حساسية لهذا التفاعل، ما يؤدي إلى تقليل تدفق الدم نحو الأطراف مثل اليدين والقدمين، وبالتالي يشعرن بالبرد في هذه المناطق سريعًا، حتى لو كان الجو نفسه معتدلًا نسبيًا.
الهرمونات أيضًا تؤثر على تنظيم الحرارة في الجسم. هرمونات مثل الإستروجين والبروجسترون يمكن أن تغير كيفية استجابة الجسم للحرارة، وتؤثر على توزيع الدم ومعدل الأيض. يتغير إفراز هذه الهرمونات على مدار الدورة الشهرية، مما قد يجعل الإحساس بالبرد يتغير أيضًا لدى النساء في فترات مختلفة من الشهر.
هناك أيضًا عامل تطوري لدى الثدييات يشير إلى أن الإناث تطورت لديهن آليات للإحساس بالحرارة تختلف عن الذكور، ربما كجزء من استراتيجيات البقاء والحماية، وخصوصًا في سياق العناية بالصغار في بيئات باردة.
بناءً على هذه العوامل الفسيولوجية، يفضل الكثير من النساء درجات حرارة أعلى في الأماكن المغلقة مقارنة بالرجال، وقد يشعرن ببرودة أكبر عند نفس درجة الحرارة التي يراها الرجال مريحة. كل هذه الأسباب توضح لماذا يمكن للمرأة أن ترتدي ملابس أكثر أو تبحث عن مصادر تدفئة بينما يجلس الرجل بنفس المكان مرتاحًا.
في النهاية، شعور المرأة بالبرد أكثر من الرجل ليس مجرد إحساس شخصي، بل نتيجة لتفاعل عوامل بيولوجية وطبيعية تتعلق بكيفية تنظيم الجسم للحرارة، وتوليدها، وتوزيعها.


