كتب : صفاء مصطفى... العرب نيوز اللندنية
اتخذ مصرف لبنان خطوة جديدة في إطار الاستجابة للمطالب الأمريكية بتشديد الرقابة على المعاملات المالية في البلاد، في خطوة تُعد جزءًا من استراتيجية أوسع تهدف إلى محاصرة منابع التمويل المالية لحركة حزب الله وتجفيف قنواتها المالية، وذلك عبر إلزام شركات تحويل الأموال بتركيب كاميرات مراقبة توثق هوية الوكلاء والعملاء أثناء تنفيذ العمليات المالية والاحتفاظ بالتسجيلات لفترة لا تقل عن ستة أشهر.
وجاء هذا القرار بعد ضغوط متواصلة من واشنطن التي تسعى منذ سنوات إلى تقويض الأساليب التي تعتمدها «الحركة» في الحصول على تمويل، سواء من خلال التعامل بالنقد (الـ «كاش») أو عبر تحويلات المغتربين، وهو ما دفع الجهات الرقابية اللبنانية إلى الاستجابة عبر سلسلة من التعاميم المصرفية التي تُظهر التزام لبنان بالمعايير الدولية في مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
ووصفت مصادر لبنانية مطلعة هذا الإجراء بأنه جزء من سلسلة إجراءات تهدف إلى إظهار جدية السلطات في مكافحة قنوات التمويل غير القانونية، مشيرة إلى أن تسجيل هوية الأطراف عبر الكاميرات وتعقب العمليات المالية بالفيديو قد يحد من إمكانية استغلال هذه الشركات في تحويل الأموال إلى التنظيمات المصنفة إرهابية، لا سيما في ظل تقارير سابقة كشفت عن وجود شبكات مالية خفية تستفيد من شركات دفع رقمي وشركات تحويل الأموال في لبنان لجمع التبرعات وتحويلها إلى حزب الله.
وقد فرض مصرف لبنان في وقت سابق قيودًا صارمة على تحويل الأموال، تتضمن استمارات «اعرف عميلك» لأي عملية نقدية تتجاوز ألف دولار، وتوجيهًا إلى تتبع مسارات التحويلات، وهو ما يُعد امتدادًا للجهود المبذولة لتطويق المصادر المالية المنظمة، لا سيما أن التحقيقات الدولية أظهرت أن التحويلات المالية من الخارج إلى الداخل اللبناني، التي تُقدَّر بمئات ملايين الدولارات سنويًا، قد يتم تسريب جزء منها إلى أذرع مالية لحزب الله.
ومن بين التدابير الأخرى التي اتخذها المصرف المركزي حظر التعامل مع مؤسسة «القرض الحسن» المرتبطة بالحركة بعد أن صنفتها الولايات المتحدة كمنظمة إرهابية، وهو قرار لاقى ترحيبًا من الجانب الأمريكي قبل أن يثير جدلًا واسعًا داخليًا في لبنان، خاصة أنه يعد أحد الأذرع المالية التي تدير شبكة واسعة من الفروع وتقدم خدمات قروض بدون فوائد لآلاف المستفيدين.
وأكدت المصادر أن تركيب الكاميرات والاحتفاظ بالتسجيلات سيؤدي إلى زيادة التكاليف التشغيلية على شركات التحويل، ما قد يعقّد عملياتها في ظل الأزمة المالية اللبنانية المستمرة، ويفرض على هذه الشركات مواجهة خطر نقص السيولة أو حتى فرض عقوبات دولية في حال ثبوت استغلالها لتمويل نشاطات غير مشروعة.
وترى السلطات اللبنانية أن هذه الإجراءات خطوة ضرورية لاستعادة الثقة الدولية بالنظام المالي في البلاد، في حين يرفض البعض مناقشة القرار معتبرين أنه قد يزيد من التوترات الداخلية ويشكّل ضغطًا إضافيًا على قطاع يعاني بالفعل من أزمات متراكمة.
ويُعد هذا التحرك جزءًا من خطة أمريكية أوسع لتطويق تمويل حزب الله ماليًا، والتي تشمل مراقبة تحويلات المغتربين، وتشديد الرقابة على الاقتصاد النقدي، ومحاربة شبكات التمويل غير الرسمية التي تُستخدم في غسل الأموال وتحويل الموارد إلى التنظيمات المصنّفة إرهابية، في محاولة لإضعاف بنيتها المالية والحد من قدرتها على دعم أنشطتها السياسية والعسكرية.


