كتب : صفاء مصطفى... العرب نيوز اللندنية
كشفت دراسة علمية حديثة عن ارتباط غير متوقع بين بعض علاجات سرطان الأطفال وارتفاع خطر الإصابة بأورام الدماغ في مراحل لاحقة من الحياة، وتحديدًا الورم السحائي، وهو ورم ينشأ في الأغشية التي تغطي الدماغ والحبل الشوكي.
وأوضحت الدراسة أن بعض العلاجات المستخدمة في مرحلة الطفولة، وعلى رأسها العلاج الإشعاعي الموجّه لمنطقة الرأس، قد تترك آثارًا طويلة الأمد تزيد من احتمالات تطور الورم السحائي بعد سنوات من انتهاء العلاج. ويُعرف Meningioma بأنه غالبًا ورم بطيء النمو، لكنه قد يسبب مضاعفات خطيرة بحسب موقعه وحجمه وتأثيره على أنسجة الدماغ المجاورة.
واعتمد الباحثون في دراستهم على تحليل بيانات عدد كبير من الناجين من سرطانات الطفولة، وتتبع حالتهم الصحية لسنوات طويلة بعد التعافي. وأظهرت النتائج أن الذين تلقوا جرعات إشعاعية أعلى في منطقة الرأس كانوا أكثر عرضة للإصابة بالورم السحائي مقارنة بمن لم يتلقوا هذا النوع من العلاج أو تلقوا جرعات أقل.
وأشار فريق البحث إلى أن العلاج الإشعاعي، رغم دوره الحيوي في إنقاذ حياة آلاف الأطفال المصابين بالسرطان، قد يؤدي إلى تغييرات في الحمض النووي للخلايا السليمة المحيطة بالمنطقة المعالجة، ما يرفع احتمالات حدوث طفرات قد تتطور لاحقًا إلى أورام. وأكدوا أن هذه المخاطر لا تقلل من أهمية العلاج، لكنها تسلط الضوء على ضرورة الموازنة الدقيقة بين الفوائد والمضاعفات طويلة المدى.
كما بيّنت الدراسة أن خطر الإصابة لا يظهر مباشرة بعد العلاج، بل قد يستغرق سنوات أو حتى عقودًا قبل أن يتطور الورم، وهو ما يستدعي متابعة طبية مستمرة للناجين من سرطانات الطفولة، خاصة أولئك الذين خضعوا لعلاج إشعاعي في سن مبكرة.
ولفت الباحثون إلى أن التقدم الطبي خلال السنوات الأخيرة أسهم في تطوير تقنيات إشعاعية أكثر دقة، تستهدف الورم بشكل محدد وتقلل تعرض الأنسجة السليمة المحيطة للإشعاع، ما قد يسهم في خفض المخاطر المستقبلية. كما يجري العمل على بروتوكولات علاجية بديلة في بعض الحالات، لتقليل الاعتماد على الإشعاع عندما يكون ذلك ممكنًا دون التأثير على فرص الشفاء.
وشددت الدراسة على أهمية التوعية بين الأطباء والمرضى وأسر الأطفال المصابين بالسرطان، بضرورة الالتزام ببرامج المتابعة طويلة الأمد، والتي قد تشمل فحوصات دورية للدماغ عند الحاجة، لرصد أي تغيرات مبكرة والتعامل معها قبل تفاقمها.
وأكد الباحثون أن النتائج لا ينبغي أن تثير القلق المفرط، إذ إن نسبة الإصابة بالورم السحائي بين الناجين تظل محدودة مقارنة بالفوائد الكبيرة التي يحققها علاج السرطان في إنقاذ الحياة. إلا أن فهم هذه المخاطر يتيح تحسين الرعاية الطبية المستقبلية، ووضع استراتيجيات وقائية ومتابعة أدق للمرضى.
وتأتي هذه النتائج في إطار جهود علمية أوسع لفهم التأثيرات بعيدة المدى لعلاجات السرطان، خاصة مع ارتفاع معدلات النجاة بفضل التطور الطبي. ومع تزايد أعداد الناجين من سرطانات الطفولة حول العالم، تبرز الحاجة إلى التركيز ليس فقط على الشفاء، بل أيضًا على جودة الحياة والصحة طويلة الأمد.
في ضوء ما توصلت إليه الدراسة، يرى مختصون أن المرحلة المقبلة يجب أن تشهد مزيدًا من الأبحاث لتحديد العوامل التي تزيد القابلية الفردية للإصابة، وتطوير أساليب علاج أكثر أمانًا، بما يضمن استمرار النجاحات المحققة في علاج سرطانات الأطفال، مع تقليل المضاعفات المحتملة في المستقبل.


