كتب : صفاء مصطفى... العرب نيوز اللندنية
أثار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب موجة واسعة من الجدل داخل الأوساط السياسية والدبلوماسية، بعدما أطلق تصريحات حادة اعتبر فيها أن الوقت قد حان لتدخل الولايات المتحدة بشكل مباشر في جزيرة جرينلاند، منتقدًا ما وصفه بعجز حلف شمال الأطلسي عن حماية الجزيرة من النفوذ الروسي المتزايد في منطقة القطب الشمالي.
وخلال تصريحاته الأخيرة، شدد ترامب على أن جرينلاند تمثل أهمية استراتيجية قصوى للأمن القومي الأمريكي، لافتًا إلى موقعها الجغرافي الحساس ومواردها الطبيعية ودورها المتزايد في معادلة الصراع الدولي، خاصة مع تصاعد التنافس بين القوى الكبرى في المناطق القطبية. وأضاف أن استمرار الوضع الحالي، بحسب وصفه، لم يعد مقبولًا، في ظل ما اعتبره تقاعسًا أوروبيًا عن مواجهة التحديات الأمنية هناك.
تصريحات ترامب وُصفت بأنها تحدٍ مباشر لحلف الناتو، حيث أشار إلى أن الحلف لم يتمكن خلال سنوات طويلة من ضمان الاستقرار في جرينلاند أو منع تمدد النفوذ الروسي، مؤكدًا أن واشنطن قد تضطر إلى التحرك منفردة لحماية مصالحها الاستراتيجية. هذا الموقف فتح باب التساؤلات حول مستقبل العلاقات الأمريكية مع حلفائها الأوروبيين، خاصة في ظل توتر سابق بشأن تقاسم الأعباء الدفاعية داخل الحلف.
وفي سياق متصل، لوّح الرئيس الأمريكي باستخدام أدوات اقتصادية للضغط على عدد من الدول الأوروبية، في حال استمرار رفضها لأي ترتيبات تمنح الولايات المتحدة دورًا أكبر في إدارة شؤون جرينلاند. هذه التهديدات أثارت استياءً واسعًا في العواصم الأوروبية، التي رأت فيها تصعيدًا غير مسبوق يمس سيادة الدول ويقوض أسس الشراكة عبر الأطلسي.
من جانبها، أكدت الدنمارك، التي تتبع لها جرينلاند، رفضها القاطع لأي حديث عن التخلي عن الجزيرة أو السماح بالسيطرة عليها من قبل أي طرف، مشددة على أن جرينلاند تتمتع بحكم ذاتي وأن مستقبلها يقرره سكانها فقط. كما صدرت مواقف مشابهة من حكومة جرينلاند المحلية، التي شددت على أن الجزيرة ليست محل مساومة سياسية أو اقتصادية.
داخليًا في الولايات المتحدة، أثارت تصريحات ترامب نقاشًا واسعًا داخل الكونغرس، حيث عبّر عدد من المشرعين عن قلقهم من أي خطوات أحادية قد تؤدي إلى أزمة دبلوماسية أو صدام قانوني، مطالبين بضرورة الالتزام بالأطر الدستورية في أي تحرك يتعلق بالسياسة الخارجية أو استخدام أدوات الضغط الاقتصادي.
ويأتي هذا الجدل في وقت يشهد فيه القطب الشمالي اهتمامًا دوليًا متزايدًا، مع تسارع ذوبان الجليد وفتح مسارات بحرية جديدة، ما زاد من أهمية المنطقة اقتصاديًا وعسكريًا. ويرى مراقبون أن تصريحات ترامب تعكس رغبة أمريكية في إعادة رسم موازين النفوذ في المنطقة، لكنها في الوقت نفسه تهدد بتعميق الخلافات داخل حلف الناتو وإضعاف تماسكه.
وبينما تتواصل ردود الفعل الغاضبة في أوروبا، تبقى أزمة جرينلاند اختبارًا حقيقيًا لمستقبل العلاقات بين واشنطن وحلفائها، ولقدرة الناتو على تجاوز الخلافات الداخلية في ظل عالم يشهد تصاعدًا في حدة الصراعات الجيوسياسية.


