كتب : سيما حقيقي
الفنان… حين تحتاج الروح إلى عزلة كي تبدع
قد يظن الناس أن العزلة فراغ، وأن الوحدة حالة رمادية لا تُحتمل. لكن الفنان وحده يعرف أن بينه وبين العالم مسافة صغيرة سرّية…
مساحة يختبئ فيها النور الداخلي، ويعود عندها كل شيء إلى صمته الأول.
وهناك، في اللحظة التي يهدأ فيها الخارج، تبدأ الفكرة بالتحرك… ككائن أخير وجد طريقه إلى الضوء.
العزلة بالنسبة للفنان ليست هربًا من الحياة، بل عودة إلى ذاته الأولى؛ إلى النقطة التي تتنفس فيها الروح بعيدًا عن الضجيج، حيث تستعيد الذاكرة شكلها، وتتحول الفوضى إلى معنى.
وتؤكد دراسات حديثة في علم الأعصاب هذا البُعد الخفي للعزلة؛ إذ تشير دراسة صادرة عن جامعة كاليفورنيا (UCLA، 2018) إلى أن لحظات انخفاض التحفيز الخارجي تنشّط ما يُعرف بـ شبكة الوضع الافتراضي في الدماغ، وهي المسؤولة عن الخيال العميق، واستدعاء الذكريات، وصنع الروابط بين الأفكار البعيدة. أي إن الصمت — علميًّا — ليس غيابًا، بل بيئة ذهنية تتيح للعقل الفنان أن يعيد ترتيب الكون بطريقته.
العزلة عند الفنان ليست وحدة… بل مختبر داخلي.
هناك، حيث لا أصوات سوى نبضه، يستطيع أن يسمع الفكرة قبل أن تُقال، والقصيدة قبل أن تُكتب، واللوحة قبل أن تولد.
فالإلهام لا يظهر حين نطارده، بل حين نتيح له مساحة كي يقترب.
ولعل ما يجهله الكثيرون أن الفنان لا يخاف من العزلة… بل يخاف أن تُقاطع.
فثمة لحظة حساسة جدًا، يكاد لا ينتبه لها أحد، تتحول فيها الفكرة من إحساس غامض إلى شيء يشبه الحقيقة.
وإذا انقطعت تلك اللحظة، تتبخر… كأنها لم تكن.
ويتقاطع هذا الوصف مع مفهوم التدفق الإبداعي الذي قدمه Mihaly Csikszentmihalyi، والذي يشرح أن المبدع لا يصل إلى ذروة الإبداع إلا عندما ينفصل — ولو مؤقتًا — عن إيقاع الحياة السريع، ويستقر في حالة من التركيز الهادئ، حيث يتحول الزمن إلى مجرد ظل، ويصبح الفنان كائنًا يتحرك بين الإلهام والغياب كأنه يمشي في الحلم وهو مستيقظ.
العزلة ليست رفاهية عند الفنان… بل ضرورة وجودية تشبه الهواء.
ففيها يلمس خوفه ويصالحه، وفيها يواجه أسئلته بلا وسطاء، وفيها يبتكر لغته الخاصة… لغة أحد، لغة لا تشبه أحدًا لأنها تشبه قلبه وحده.
وليس غريبًا أن تشير دراسة نشرت في مجلة الشخصية والاختلافات الفردية (2021) إلى أن المبدعين يمتلكون حساسية عالية للمحفزات، وقدرة فريدة على التركيز العميق، وميلًا إلى الانغماس في التفاصيل الدقيقة.
هذه الصفات تجعل العزلة ليست خيارًا، بل جزءًا من البنية الداخلية للفنان.
ومن يعرف الفنان حقًا، يعرف أنه حين يغيب قليلًا… لا يبتعد.
هو فقط يعود إلى نفسه، ليأتي بشيء يستحق أن يقدمه للعالم؛
تمامًا كما تعود النجمة إلى عتمتها الأولى لتستجمع نورها… ثم تعود أكثر قدرة على الإنارة.
فالعزلة لا تُشير إلى الحزن كما يظن البعض، ولا إلى الانكسار، بل إلى تلك الدقائق التي يرى فيها الفنان صورته التي لا يستطيع العالم أن يفهمها كاملة.
وفي النهاية،
ربما لا يحتاج الفنان أن يشرح لماذا يختار الصمت، أو لماذا يغلق باب غرفته، أو لماذا يختفي في زوايا روحه من حين إلى آخر؛
يكفي أن نفهم أن العزلة بالنسبة له ليست ابتعادًا… بل طريق يعود عبره إلى نفسه ليبدأ من جديد.
فالعزلة، حين يمارسها الفنان بصدق، لا تقصيه عن العالم، بل تعيد ترتيب علاقته به.
هي اللحظة التي يتراجع فيها الخارج خطوة، ليتقدم الداخل بخطوات أهدأ… وأصدق.
ومن هنا تبدأ رحلة أخرى لا يراها أحد؛ رحلة يعود فيها الفنان إلى ذاته كما يعود الماء إلى مصدره.
فليس في عزلة الفنان ما يُخيف، ولا في صمته ما يدعو للقلق.
إنه فقط يعود إلى المنبع الذي يخلق منه، إلى تلك البقعة الهادئة في داخله حيث يتشكل كل شيء قبل أن يُرى:
اللوحة، القصيدة، اللحن، والفكرة التي لم تولد بعد.
وربما كان السر أن الفنان حين يغيب، إنما يمهّد الطريق لدهشة قادمة من عمق ذاته…
دهشة لا تشبه أحدًا، تتشكل ببطء، وتتخذ الفكرة فيها شكلها الأخير قبل أن يهبها للعالم.
وأجمل ما فيها أنها لا تأتي صاخبة، ولا تطلب اعترافًا أو تصفيقًا، بل تصل هادئة وواثقة…
كأنها تُذكّرنا، في اللحظة التي نلتقيها، أن ما يخلقه الفنان في عزلته قد يكون أصدق مما نخلق نحن في ضجيج العمر كله.
عدد المشاهدات: 8


