كتب : دينا كمال
الهواتف الذكية.. الشاهد الرقمي الأبرز في كشف الجرائم
تحولت الهواتف الذكية إلى أداة محورية في التحقيقات الجنائية الحديثة، إذ تعتمد وكالات إنفاذ القانون حول العالم بشكل متزايد على بيانات الهاتف المحمول لفك ألغاز القضايا وتعقب مساراتها.
تشير تقارير تحليلية متخصصة إلى أن معظم المحققين يعتبرون اليوم الهواتف الذكية مصدرًا رئيسيًا للأدلة الرقمية، في انعكاس واضح لتحول جذري في أساليب جمع الأدلة وفحصها وحل الجرائم.
بعدما كانت الهواتف المحمولة تُعد عنصرًا مساعدًا في التحقيق، أصبحت الآن في صلب العملية الجنائية. فمن سجلات المكالمات والرسائل النصية إلى الصور ومقاطع الفيديو وبيانات الموقع الجغرافي ونشاطات وسائل التواصل الاجتماعي، توفر الهواتف الذكية أثرًا رقميًا مفصلًا قادرًا على إعادة بناء تسلسل الأحداث بدقة عالية.
يوضح محققون أن بيانات الهواتف حاضرة في معظم القضايا تقريبًا، ما يجعلها بمثابة شاهد صامت يرافق مسار التحقيق منذ بدايته.
يعكس هذا الاعتماد التحول المجتمعي الأوسع نحو الرقمنة، حيث تتداخل الحياة الشخصية والمهنية داخل المنصات الرقمية، الأمر الذي يترك وراءه أثرًا بيانيًا يمكن تتبعه وتحليله. وبذلك باتت الهواتف أداة أساسية لتحديد المشتبه بهم، وتأكيد الإفادات، ورسم الخط الزمني للأحداث.
تعقيد متزايد وضغط على الموارد
رغم مساهمة الأدلة الرقمية في رفع معدلات حل القضايا، فإنها فرضت تحديات كبيرة على فرق التحقيق. إذ يتطلب استخراج بيانات الهواتف وتحليلها إجراءات تقنية معقدة، خصوصًا في القضايا التي تشمل أجهزة متعددة ينبغي تأمينها وتخزين بياناتها بشكل محكم.
يشير مختصون إلى أن تضخم حجم البيانات الرقمية يؤدي إلى استنزاف الوقت والموارد، ما يفاقم تراكم القضايا. كما تمثل حماية الأجهزة تحديًا إضافيًا، إذ تصل نسبة كبيرة من الهواتف المصادرة وهي مغلقة أو مشفرة، ما يستدعي أدوات متقدمة وخبرات فنية متخصصة للوصول إلى محتواها.
على صعيد إدارة الأدلة، انتقلت بعض الوكالات إلى أنظمة تخزين سحابية لتعزيز التعاون والكفاءة، بينما لا تزال جهات أخرى تعتمد على وسائط تخزين مادية، وهو ما قد يبطئ تبادل المعلومات ويزيد مخاطر فقدان البيانات أو تعرضها للاختراق.
الذكاء الاصطناعي كأداة مساندة
تُطرح تقنيات الذكاء الاصطناعي كحل محتمل لمعالجة الكم الهائل من البيانات، إذ يمكنها تحليل مجموعات ضخمة بسرعة، واكتشاف أنماط وعلاقات قد لا تكون واضحة للمحققين.
مع ذلك، لا يزال اعتماد هذه التقنيات يتم بحذر، نتيجة اعتبارات تنظيمية وأخلاقية، رغم ما توفره من مكاسب في الكفاءة. ويرى خبراء أن التعامل مع ما يقارب 1.5 مليون قضية سنويًا يتطلب أدوات تحليل متقدمة، وإلا ستغرق فرق التحقيق في بحر من البيانات المتراكمة.
مرحلة مفصلية في العمل الشرطي الرقمي
تؤكد هذه التطورات أن الدليل الرقمي بات عنصرًا لا يتجزأ من العمل الشرطي المعاصر، وأن الهواتف الذكية تؤدي دورًا محوريًا ليس فقط في كشف الجرائم، بل في صياغة استراتيجيات التحقيق وتوجيه الاستثمارات التقنية وبرامج التدريب.
يشدد مختصون على ضرورة تطوير البنية التحتية الرقمية، وتعزيز التدريب الجنائي التقني، ووضع أطر واضحة لاستخدام أدوات التحليل المتقدمة، لتجنب اتساع الفجوة بين وفرة الأدلة وقدرة الجهات المعنية على استثمارها بفاعلية.
في ظل تطور الجريمة بالتوازي مع التكنولوجيا، يتوقع أن يتعزز دور الهواتف الذكية داخل أنظمة العدالة، مع بقاء التحدي قائمًا في تحقيق التوازن بين الاستفادة من البيانات وضمان الدقة والمساءلة وحماية ثقة المجتمع في العصر الرقمي.


