كتب : صفاء مصطفى... العرب نيوز اللندنية
أعلنت السلطات الروسية أن استخدام تطبيق المراسلة الشهير Telegram بات يشكل تهديدًا مباشرًا لحياة العسكريين الروس المشاركين فيما تصفه موسكو بـ«العملية العسكرية الخاصة»، في إشارة إلى العمليات الجارية في الأراضي الأوكرانية. وجاء التحذير في تصريحات رسمية أكدت أن تسريب المعلومات الميدانية عبر المنصات الرقمية قد يعرّض تحركات الوحدات العسكرية ومواقعها للخطر.
وأوضح مسؤولون روس أن الأجهزة المختصة رصدت خلال الفترة الأخيرة حالات تم فيها تداول معلومات حساسة تتعلق بتحركات القوات أو مواقع الانتشار عبر قنوات ومجموعات على التطبيق، سواء بشكل متعمد أو نتيجة الاستخدام غير المنضبط من قبل أفراد عسكريين أو مدنيين مقربين منهم. وأشاروا إلى أن مثل هذه البيانات، حتى وإن بدت عادية، يمكن أن تُستخدم في تحليل الأنماط العسكرية وتحديد الأهداف بدقة.
وأكدت الجهات المعنية أن المخاطر لا تقتصر فقط على نشر الصور أو مقاطع الفيديو من مواقع العمليات، بل تمتد إلى الرسائل النصية والتعليقات التي قد تكشف، من حيث لا يدري المستخدم، عن تفاصيل زمنية أو جغرافية حساسة. وأشارت إلى أن التطور التقني في مجال تحليل البيانات المفتوحة المصدر يجعل من السهل على الخصوم جمع أجزاء صغيرة من المعلومات وبنائها في صورة استخباراتية متكاملة.
وفي هذا السياق، شددت موسكو على أن التعليمات العسكرية تنص بوضوح على ضرورة الامتناع عن استخدام وسائل الاتصال غير المؤمنة في مناطق العمليات، مؤكدة أن أي خرق لهذه التعليمات قد يؤدي إلى عواقب خطيرة ليس فقط على مستوى الفرد، بل على مستوى الوحدة العسكرية بأكملها. كما جرى التذكير بأن الالتزام بإجراءات الأمن السيبراني أصبح جزءًا لا يتجزأ من الانضباط العسكري الحديث.
وتأتي هذه التحذيرات في ظل اعتماد واسع النطاق على تطبيقات المراسلة الفورية في الحياة اليومية داخل روسيا وخارجها، حيث يُعد «تليجرام» من أكثر التطبيقات انتشارًا بين المستخدمين الروس، سواء لأغراض التواصل الشخصي أو متابعة الأخبار والقنوات العامة. غير أن الجهات الرسمية ترى أن هذا الانتشار الواسع يفرض تحديات إضافية في أوقات النزاعات المسلحة، حيث قد تتحول المنصات الرقمية إلى ساحة موازية للصراع.
وأكدت التصريحات أن الجهات الأمنية تعمل على تعزيز برامج التوعية داخل المؤسسات العسكرية، من خلال دورات تدريبية وإرشادات صارمة تهدف إلى رفع مستوى الوعي بالمخاطر المرتبطة باستخدام التطبيقات المفتوحة في البيئات القتالية. كما يجري، بحسب المسؤولين، تطوير أدوات رقابية وتقنية لرصد أي تسريبات محتملة قد تمس الأمن القومي.
وفي الوقت ذاته، لم تشر موسكو إلى نيتها حظر التطبيق بشكل كامل، لكنها لم تستبعد اتخاذ إجراءات تنظيمية إضافية إذا اقتضت الضرورة. ولفتت إلى أن الهدف الأساسي هو حماية أرواح العسكريين ومنع استغلال أي ثغرات معلوماتية قد تُستخدم لاستهدافهم.
ويعكس هذا الجدل تصاعد أهمية البعد الرقمي في النزاعات المعاصرة، حيث باتت الهواتف الذكية ومنصات التواصل جزءًا من المشهد الميداني، سواء في نقل الأخبار أو في توثيق الأحداث أو حتى في إدارة العمليات اللوجستية. إلا أن هذا الاستخدام، وفق الرؤية الروسية، يحمل في طياته مخاطر كبيرة إذا لم يُضبط بإجراءات صارمة.
ويشير مراقبون إلى أن التحذير الروسي يأتي ضمن سياق أوسع من التشديد على أمن المعلومات خلال النزاعات، خاصة مع تزايد الاعتماد على التقنيات المفتوحة وتطبيقات التراسل المشفرة. ففي الحروب الحديثة، قد تكون المعلومة الصغيرة، أو الصورة العابرة، سببًا في تغيير مسار عملية عسكرية كاملة.
وبينما تؤكد موسكو أنها تتخذ هذه الإجراءات بدافع حماية قواتها، يبقى ملف استخدام التطبيقات الرقمية في مناطق النزاع أحد أكثر الملفات تعقيدًا، حيث يتداخل فيه الأمن القومي مع حرية التواصل والتكنولوجيا العابرة للحدود، في مشهد يعكس طبيعة الحروب في العصر الرقمي.


