كتب : صفاء مصطفى... العرب نيوز اللندنية
شهدت إيران تطورًا لافتًا في أعقاب موجة الاحتجاجات الواسعة التي اجتاحت عددًا من المدن خلال الأسابيع الماضية، حيث أعلنت السلطات إحالة ملفات عدد من المسؤولين الكبار إلى المحاكمة، على خلفية اتهامات تتعلق بسوء الإدارة والتقصير في مواجهة الأزمة الاقتصادية والمعيشية التي فجّرت الغضب الشعبي.
وجاءت هذه الخطوة في وقت لا تزال فيه البلاد تعيش حالة من التوتر السياسي والاجتماعي، بعدما اندلعت الاحتجاجات بداية من الأسواق الرئيسية في العاصمة طهران، قبل أن تمتد إلى محافظات ومدن أخرى، احتجاجًا على التدهور الحاد في قيمة العملة المحلية، وارتفاع الأسعار، وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين.
وأفادت مصادر رسمية بأن الإحالات القضائية شملت مسؤولين شغلوا مناصب تنفيذية وإدارية مؤثرة، متهمين بعدم اتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية الاقتصاد الوطني، والتقاعس عن معالجة الأزمات المعيشية التي أثقلت كاهل المواطنين. وأكدت الجهات القضائية أن المحاكمات ستُجرى وفق الأطر القانونية المعمول بها، في إطار ما وصفته بـ”محاسبة المقصرين أيًا كانت مواقعهم”.
وتأتي هذه الإجراءات في محاولة واضحة من السلطات لامتصاص حالة الغضب الشعبي المتصاعد، وإظهار قدر من الجدية في محاسبة المسؤولين عن الأوضاع المتردية، لا سيما مع تزايد الانتقادات الداخلية التي طالت الأداء الحكومي، واتساع رقعة الاحتجاجات لتشمل مطالب سياسية إلى جانب المطالب الاقتصادية.
ميدانيًا، شهدت عدة مدن إيرانية تظاهرات متواصلة، تخللتها اشتباكات بين المحتجين وقوات الأمن، وأسفرت عن سقوط قتلى وجرحى، إلى جانب تنفيذ حملات توقيف واسعة في صفوف المتظاهرين. وفي المقابل، أكدت السلطات أن الإجراءات الأمنية جاءت للحفاظ على الاستقرار ومنع الفوضى، متهمة أطرافًا خارجية بمحاولة استغلال الأوضاع الداخلية لإشعال التوتر.
وعلى الصعيد الاقتصادي، يُعد الانهيار المتسارع لقيمة الريال الإيراني أحد أبرز أسباب الاحتجاجات، حيث انعكس ذلك مباشرة على أسعار السلع الأساسية، ورفع معدلات التضخم إلى مستويات قياسية، ما زاد من معاناة المواطنين، خاصة أصحاب الدخل المحدود. ويرى مراقبون أن الأزمة الاقتصادية الحالية تُعد من الأعنف التي تشهدها البلاد منذ سنوات.
سياسيًا، تسببت الاحتجاجات في تعميق الانقسام داخل المشهد الداخلي، بين تيار يدعو إلى تشديد القبضة الأمنية، وآخر يرى ضرورة إجراء إصلاحات اقتصادية وسياسية حقيقية لتفادي تفاقم الأزمة. وفي هذا السياق، ينظر إلى إحالة المسؤولين للمحاكمة باعتبارها رسالة مزدوجة للداخل والخارج، مفادها أن الدولة قادرة على المحاسبة، وفي الوقت ذاته تسعى للحفاظ على تماسك النظام.
وفي مقابل الاحتجاجات، خرجت تجمعات مؤيدة للحكومة في بعض المناطق، دعماً للسلطات ومؤسسات الدولة، في محاولة لإظهار وجود قاعدة شعبية داعمة، وسط أجواء مشحونة وقيود مشددة على وسائل الاتصال وتداول المعلومات.
ويرى محللون أن هذه التطورات تمثل مرحلة حساسة في مسار الأزمة الإيرانية، حيث قد تسهم المحاكمات في تهدئة الشارع مؤقتًا، لكنها لن تكون كافية ما لم تُرافقها خطوات ملموسة لتحسين الأوضاع الاقتصادية والاستجابة لمطالب المواطنين.
وفي ظل استمرار الضغوط الداخلية والخارجية، تبقى تداعيات الاحتجاجات مفتوحة على عدة سيناريوهات، تتراوح بين احتواء تدريجي للأزمة، أو تصعيد جديد قد يفرض على السلطات اتخاذ قرارات أكثر حسمًا خلال المرحلة المقبلة.


