كتب : صفاء مصطفى... العرب نيوز اللندنية
يترقّب المجتمع الدولي خلال الساعات المقبلة قرارًا حاسمًا من قضاة المحكمة الجنائية الدولية، حول طلب الإفراج المؤقت عن الرئيس الفلبيني السابق رودريغو دوتيرتي، المحتجز على ذمة اتهامات خطيرة بارتكاب جرائم ضد الإنسانية خلال سنوات حملته المثيرة للجدل ضد المخدرات.
ويأتي هذا التطور بعد أشهر من احتجاز دوتيرتي، البالغ من العمر ثمانين عامًا، على خلفية تحقيقات واسعة تتعلق بعمليات قتل جماعي رافقت ما عُرف بـ«الحرب على المخدرات»، والتي نفّذتها قوات الأمن الفلبينية خلال فترة توليه السلطة، سواء أثناء عمله كعمدة لإحدى المدن الجنوبية أو في فترة رئاسته للبلاد لاحقًا. وتشير وثائق المحكمة إلى أن دوتيرتي أصدر توجيهات مباشرة وأجاز استخدام «العنف، بما في ذلك القتل»، ضد أشخاص يُشتبه في تورطهم بالاتجار بالمخدرات أو تعاطيها.
وتتباين الأرقام المتعلقة بعدد ضحايا تلك الحملة، إذ تُقدّر الشرطة الوطنية العدد بأكثر من ستة آلاف قتيل، بينما تؤكد منظمات حقوقية أن حصيلة الضحايا قد تصل إلى ثلاثين ألفًا، بينهم مدنيون لم تثبت ضدهم أي إدانات. وقد عبّرت عائلات الضحايا عن ارتياحها لاعتقال دوتيرتي في وقت سابق من العام، معتبرةً أن خطوة احتجازه تشكل بداية لمسار محاسبة طال انتظاره.
الفريق القانوني لدوتيرتي قدّم استئنافًا ضد القرار الصادر في أكتوبر/تشرين الأول، والذي أبقاه قيد الاحتجاز، معللًا ذلك بأن موكّلهم «مريض وضعيف»، وأن حالته الصحية لا تسمح باستمرار حبسه خلال فترة المحاكمة. وأشار الدفاع إلى تراجع القدرات الإدراكية للرئيس السابق إلى درجة تمنعه من مساعدة محاميه، وهو ما دفع المحكمة في سبتمبر/أيلول إلى تأجيل جلسة استماع بهدف إجراء تقييم طبي كامل.
في المقابل، يتمسك الادعاء بأن دوتيرتي قد يستغل حريته للتأثير على سير القضية، بما في ذلك احتمال الضغط على الشهود أو عرقلة عمل المحكمة، وهو ما دفع القضاة في قرارهم السابق إلى اعتباره «غير مضمون العودة للمحاكمة» في حال الإفراج عنه.
ووفق الإجراءات المعمول بها، فإن دوتيرتي — في حال صدور قرار بالسماح بالإفراج المؤقت — لن يعود مباشرة إلى الفلبين، بل سيُنقل إلى عهدة دولة عضو في المحكمة إلى حين استمرار جلسات المحاكمة، وذلك تفاديًا لأي محاولة للهروب أو التأثير على مسار العدالة.
وكانت المحكمة قد رفضت قبل أسابيع طعنًا متعلقًا باختصاصها القضائي في هذه القضية، وهو ما مهّد الطريق لمواصلة الإجراءات دون عوائق قانونية إضافية. وكان المدعون قد أعلنوا في عام 2018 فتح تحقيق أولي في الجرائم المرتكبة خلال فترة حكم دوتيرتي، قبل أن يعلن الأخير انسحاب بلاده من عضوية المحكمة بعد شهر واحد فقط من بدء التحقيقات، في خطوة رأى مراقبون أنها محاولة للتهرب من المساءلة.
وتتواصل الترقبات في الأوساط الحقوقية والسياسية داخل الفلبين وخارجها، مع انتظار صدور الحكم الذي سيحدّد إن كان دوتيرتي سيبقى خلف القضبان أم سيخضع لشروط إفراج مؤقت في دولة أخرى، بينما تستمر القضية في رسم أحد أهم ملفات العدالة الدولية خلال السنوات الأخيرة.


