كتب : صفاء مصطفى... العرب نيوز اللندنية
أعلنت السلطات في جمهورية مالي استمرار ما يمكن وصفه بـ عمليات تطهير واسعة داخل المؤسسة العسكرية والأمنية، بعد سلسلة من إقالات وتنحيّات لكبار الضباط بتوقيع الجنرال أسيمي غويتا الرئيس الفعلي للمجلس الحاكم في باماكو.
وأصدرت الرئاسة المالية مراسيم رئاسية في أواخر ديسمبر 2025 تتضمن إقالة عدد من المسؤولين الأمنيين والعسكريين رفيعي المستوى من مناصبهم، بينهم كولونيل–ماجور كاسوم غويتا المدير السابق لجهاز الاستخبارات، وكولونيل فودي ماليك سيسوكو مساعد الرئيس السابق وقائد منطقة كيدال سابقاً، بالإضافة إلى الشرطة العليا مصطفى دياكيت. وتُعد هذه الإجراءات جزءاً من ما تصفه الأوساط الرسمية بأنه “محاربة الفساد وتعزيز الأمن القومي”.
وأوضحت باماكو أن هذه القرارات تندرج ضمن إجراءات تأديبية وقانونية متصلة باتهامات تضرّ بالأمن والاستقرار، لكن المصادر المحلية تشير إلى أن التحركات ليست مجرد إقالات إدارية، بل انعكاس لصراع داخلي على النفوذ داخل الجيش والهيكل الأمني في البلاد.
ويأتي هذا التطور في سياق ضغوط أمنية متصاعدة تواجهها مالي منذ أشهر، مع تصاعد هجمات الجماعات المسلحة في عدد من المناطق، خصوصاً في شمال البلاد والمناطق الوسطى، ما أدى إلى تدخلات عسكرية مستمرة ومحاولات متعددة لإعادة هيكلة القيادة العسكرية والحد من تأثير بعض القيادات التي تُعتبر “غير ملتزمة بالكامل بالتوجيهات العليا”.
ويرى مراقبون أن أسيمي غويتا يعكف من خلال هذه القرارات على ترسيخ سيطرته على المؤسسة العسكرية في ظل تحديات أمنية كبيرة، ومحاولة تقليل أي انفصال أو اختلاف في الرؤى بين القيادة العليا وقادة القوات الميدانية. ويُنظر إلى بعض هذه التحولات على أنها جزء من سلسلة تطهير بدأت منذ محاولة انقلابية مزعومة في أغسطس 2025، حيث تم إقالة وترحيل عدد من الضباط الذين زُعم تورطهم في مخطط للإطاحة بالحكومة الانتقالية.
لكن الانتقادات أيضاً لم تُغِب عن الساحتين السياسية والعسكرية؛ فبعض المراقبين والمحللين يرون أن ما يجري ليس مجرد محاسبة، بل حملة لإعادة تشكيل ولاءات الجيش لصالح الدائرة المقربة من غويتا وحلفائه داخل المجلس العسكري، في وقت يكافح فيه الجيش لضبط الأوضاع الأمنية والمعيشية في البلاد.
في المقابل، تؤكد الحكومة الانتقالية أن هذه الخطوات تهدف إلى تعزيز الانضباط ومكافحة الفساد داخل القوات المسلحة، معتبرة أن مثل هذه الإجراءات ضرورية لمواجهة التحديات الداخلية والخارجية التي تعيشها مالي، والتي تشمل تنامي نفوذ الجماعات الجهادية والمسلحة، وأزمات توفير الوقود واللوجستيات للقوات.
يبقى الصراع على ولاءات الجيش والتوازن بين القيادة العسكرية العليا وضباط الصف الأعلى في مالي من أبرز العوامل التي ترسم ملامح المشهد الأمني والسياسي في البلاد، وسط تساؤلات حول مدى استقرار المؤسسة العسكرية وقدرتها على مواجهة التحديات الأمنية في ظل هذه التغييرات الهيكلية المتسارعة.


