كتب : صفاء مصطفى... العرب نيوز اللندنية
يطرح فيلم «خريطة رأس السنة» تجربة سينمائية مختلفة تمزج بين الدراما الإنسانية وأجواء الاحتفال بأعياد الميلاد، مقدّمًا حكاية دافئة تضع قضايا ذوي متلازمة داون في قلب السرد، بعيدًا عن النمطية أو التناول العاطفي المباشر، معتمدة على الرحلة والمغامرة كإطار بصري وإنساني للأحداث.
تدور أحداث الفيلم حول طفل يعيش تجربة قاسية بعد فقدان والده، ليجد نفسه مضطرًا للانتقال إلى مدرسة داخلية خارج بلده، حيث يواجه عزلة نفسية وشعورًا بالوحدة. ومع اقتراب احتفالات رأس السنة وأعياد الميلاد، تبدأ ملامح الرحلة في التشكل، عندما يقرر الطفل كسر قيود الواقع والبحث عن دفء العائلة، مستعينًا بخريطة تقوده إلى أشخاص يمثلون له الأمان والانتماء.
في قلب هذه الرحلة تظهر شخصية محورية مصابة بمتلازمة داون، لا تُقدَّم بوصفها حالة إنسانية تحتاج للشفقة، بل كشخصية فاعلة، نابضة بالحياة، قادرة على الحب والعطاء واتخاذ القرار. ويُحسب للفيلم أنه يتعامل مع هذه الشخصية بوعي فني واضح، حيث يمنحها مساحة درامية حقيقية، ويجعلها جزءًا أساسيًا من تطور الأحداث، لا مجرد عنصر رمزي أو هامشي.
يمر أبطال الفيلم بعدة محطات خلال رحلتهم بين مدن أوروبية مختلفة، في أجواء شتوية تهيمن عليها زينة الميلاد والأسواق الشعبية والثلوج، وهو ما يضيف بعدًا بصريًا جذابًا يخدم الحالة الشعورية للعمل. هذه الرحلة لا تقتصر على الانتقال الجغرافي فقط، بل تتحول إلى رحلة داخلية لاكتشاف الذات، والتصالح مع الفقد، وفهم معنى العائلة بشكل أوسع من المفهوم التقليدي.
يعتمد الفيلم على لغة إنسانية بسيطة، تبتعد عن المبالغة في الخطاب أو الوعظ المباشر، ويترك للمواقف اليومية والتفاصيل الصغيرة مهمة إيصال الرسالة. لحظات الصمت، النظرات، والمواقف العابرة تلعب دورًا أساسيًا في بناء التأثير العاطفي، خاصة في المشاهد التي تجمع الطفل بالشخصية المصابة بمتلازمة داون، حيث تنشأ علاقة قائمة على التفاهم العفوي والصدق.
كما يسلّط «خريطة رأس السنة» الضوء على فكرة تقبّل الاختلاف، ليس فقط من منظور الإعاقة، بل من زاوية أوسع تشمل الوحدة، الغربة، والانكسار النفسي. ويؤكد أن الاحتفال الحقيقي برأس السنة لا يرتبط بالمكان أو الطقوس، بل بالقدرة على مشاركة اللحظة مع من يمنحون الحياة معناها.
أداء الممثلين جاء متوازنًا، مع حضور لافت للشخصيات غير النمطية، التي نجحت في جذب تعاطف المشاهد دون افتعال. كما لعب الإخراج دورًا مهمًا في الحفاظ على إيقاع هادئ يناسب طبيعة الحكاية، مع توظيف ذكي للموسيقى التصويرية التي عززت الإحساس بالحنين والدفء.
الفيلم يوجّه رسالة واضحة مفادها أن ذوي متلازمة داون ليسوا عبئًا على المجتمع، بل جزءًا أصيلًا منه، قادرون على الحب والمشاركة وصناعة الفرح، وأن دمجهم الحقيقي يبدأ من الفن، حين يُقدَّمون كأشخاص كاملين لا كقضية.
«خريطة رأس السنة» ليس مجرد فيلم عن أعياد الميلاد، بل عمل إنساني يدعو المشاهد إلى إعادة النظر في مفاهيم الأسرة، والاحتواء، والاختلاف، ويثبت أن أبسط القصص قد تكون الأكثر قدرة على لمس القلب، خاصة عندما تُروى بصدق واحترام.


