كتب : صفاء مصطفى... العرب نيوز اللندنية
أكد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن الاتحاد الأوروبي يواجه ثلاث معارك مصيرية استراتيجية في مواجهة كل من الولايات المتحدة الأمريكية والصين، داعياً الدول الأوروبية إلى توحيد جهودها لخوض هذه المعارك وتعزيز موقع التكتل على الساحة الدولية.
وقال ماكرون في تصريحات أمام منتدى أمني دولي عقد في باريس، إن أوروبا تخلّفت عن الولايات المتحدة والصين في مجال الاستثمار الدفاعي خلال العقود الأخيرة، مشيراً إلى أن هذا التخلف يعرض أمن الاتحاد الأوروبي وقدرته على الدفاع عن مصالحه للخطر. وأضاف أن مواجهة هذا الواقع يتطلب استثمارات جماعية وتنسيقاً أعمق بين الدول الأعضاء، لا سيما في مجالات التكنولوجيا العسكرية والبنية الدفاعية المشتركة.
ثلاث معارك مصيرية
حدد ماكرون ثلاثة تحديات استراتيجية رئيسية يواجهها الاتحاد الأوروبي، وهي:
1. السباق في التكنولوجيا الدفاعية:
أوضح أن الولايات المتحدة والصين استثمرا بشكل كبير في التطور التكنولوجي العسكري، مما منحهما أفضلية في مجالات الذكاء الاصطناعي، والقدرات السيبرانية، والأسلحة المتقدّمة. وأشار إلى أن الاتحاد الأوروبي بحاجة إلى تسريع استثماراته في التكنولوجيا الدفاعية المتقدمة لضمان عدم التخلي عن دوره كقوة فاعلة في المستقبل.
2. الاستقلال الاستراتيجي في الأمن والدفاع:
قال ماكرون إن أوروبا لا يمكنها الاعتماد بشكل كامل على الولايات المتحدة لحماية أمنها، مؤكداً أن الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي يجب أن يكون هدفاً واضحاً في السياسات الدفاعية للاتحاد. وأضاف أن التكامل الدفاعي بين الدول الأعضاء يعدّ مفتاحاً لتعزيز قدرة التكتل على مواجهة التحديات الإقليمية والدولية دون الاعتماد الحصري على شركاء خارجيين.
3. مواجهة نفوذ الصين الاقتصادي والتكنولوجي:
وأشار الرئيس الفرنسي إلى أن الصين تسعى لتوسيع نفوذها الاقتصادي والتكنولوجي عالمياً، وهو ما يشكّل تحدياً مباشراً لأوروبا، خاصة في مجالات البنية التحتية الحيوية، والاتصالات، والطاقة. وأكد ماكرون أن الاتحاد الأوروبي يجب أن يطور استراتيجيته لمواجهة النفوذ الصيني، بما في ذلك عبر تطوير شراكات تجارية قوية تعزز المصالح الأوروبية.
دعوة لاستثمارات جماعية
جدد ماكرون دعوته للدول الأوروبية لتوحيد الموارد والاستثمارات في المجال الدفاعي، مشدداً على أهمية التمويل المشترك للمشاريع التكنولوجية العسكرية، وكذلك تعزيز الصناعات الدفاعية الأوروبية من خلال برامج مشتركة. وأضاف أن مثل هذه الاستثمارات الجماعية ستسهم في خلق سوق دفاعية أوروبية قوية تمكن الاتحاد من المنافسة على الساحة الدولية.
وفي هذا السياق، دعا ماكرون إلى تقوية التنسيق بين الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي لتحديد أولويات المجالات التقنية الدفاعية، مثل الذكاء الاصطناعي، والتكنولوجيا الفضائية، والأمن السيبراني، والأنظمة المتقدمة للصواريخ والطيران العسكري.
ردود الفعل وردّ الأعضاء
لاقى خطاب ماكرون تأييداً من بعض القادة الأوروبيين الذين رأوا في دعوته “رؤية ضرورية لمستقبل أوروبا”، معتبرين أن تعزيز القدرات الدفاعية والاستثمار في التكنولوجيا المتقدمة هي قضية أمنية واستراتيجية تتطلب التوافق والتعاون بين الدول الأعضاء.
في المقابل، أبدى بعض المحللين تحفظاتهم، معتبرين أن تحقيق مثل هذه الاستثمارات الجماعية سيواجه تحديات مالية وسياسية، خاصة في ظل اختلاف أولويات الدول الأوروبية في إنفاق الميزانيات الوطنية، بالإضافة إلى الخلافات بشأن العلاقة مع الولايات المتحدة داخل حلف شمال الأطلسي.
ما الذي يعنيه هذا الخطاب لأوروبا؟
يمثل خطاب ماكرون دعوة واضحة لتعزيز دور الاتحاد الأوروبي في الأمن والدفاع على المستوى العالمي، في وقت تشهد فيه التوازنات الدولية تغيّرات متسارعة بسبب التنافس بين القوى الكبرى. كما يشير إلى رغبة باريس في دفع أوروبا نحو تحقيق استقلالية استراتيجية أكبر، سواء في مواجهة التحديات الأمنية أو في التعامل مع النفوذ الاقتصادي والتكنولوجي للدول الكبرى مثل الولايات المتحدة والصين.
وبينما يواجه الاتحاد تحديات معقدة في مجالات الدفاع والتكنولوجيا والنفوذ الدولي، تبقى رؤية ماكرون ورقة نقاش مهمة في سياق جهود أوروبا لتعزيز مكانتها على الساحة العالمية في السنوات المقبلة.


