كتب : صفاء مصطفى... العرب نيوز اللندنية
كشفت دراسة علمية واسعة النطاق أجراها فريق بحثي دولي عن نتائج لافتة تتعلق بتأثير النشاط البدني على مرضى السرطان، حيث توصل الباحثون إلى أن ممارسة التمارين الرياضية بانتظام ترتبط بانخفاض ملحوظ في خطر الوفاة بين المصابين بمختلف أنواع السرطان، ما يعزز من أهمية دمج الحركة ضمن خطط العلاج والرعاية الصحية لهؤلاء المرضى.
الدراسة، التي استندت إلى تحليل بيانات شريحة كبيرة من المرضى، ركزت على العلاقة بين مستوى النشاط البدني ومعدلات البقاء على قيد الحياة، وأظهرت أن المرضى الذين حافظوا على قدر منتظم من الحركة، سواء من خلال المشي أو التمارين الخفيفة أو الأنشطة اليومية المعتدلة، حققوا نتائج أفضل مقارنة بمن اتسم نمط حياتهم بالخمول.
وأوضح الباحثون أن التأثير الإيجابي للنشاط البدني لا يقتصر فقط على تحسين اللياقة العامة، بل يمتد ليشمل دعم وظائف الجهاز المناعي، وتحسين كفاءة القلب والرئتين، والمساهمة في ضبط الوزن، وهي عوامل تلعب دورًا مهمًا في تعزيز قدرة الجسم على مقاومة المرض وتحمل العلاجات المختلفة مثل العلاج الكيميائي أو الإشعاعي.
كما أشارت النتائج إلى أن الفوائد لم تكن حكرًا على نوع معين من السرطان، بل لوحظ التأثير الإيجابي عبر مجموعة متنوعة من الحالات، ما يعكس الطبيعة الشاملة لدور النشاط البدني في تحسين المؤشرات الصحية العامة. ولفت الفريق البحثي إلى أن الالتزام بروتين حركي منتظم قد يساعد كذلك في تقليل المضاعفات المصاحبة للعلاج، مثل الإرهاق الشديد وفقدان الكتلة العضلية، وهي أعراض شائعة تؤثر على جودة حياة المرضى.
وبيّنت الدراسة أن حتى المستويات المعتدلة من النشاط يمكن أن تُحدث فارقًا ملموسًا، الأمر الذي يمنح المرضى فرصة واقعية لتبني تغييرات بسيطة دون الحاجة إلى برامج رياضية مكثفة. فالمشي المنتظم، وصعود الدرج، وممارسة تمارين الإطالة، جميعها أنشطة يمكن إدراجها بسهولة في الحياة اليومية، وتُسهم في تحسين المؤشرات الصحية على المدى الطويل.
وشدد الباحثون على أهمية استشارة الطبيب قبل البدء بأي برنامج رياضي، خاصة بالنسبة للمرضى الذين يخضعون لعلاجات مكثفة أو يعانون من حالات صحية مرافقة. وأكدوا أن تصميم برنامج نشاط بدني يجب أن يكون متدرجًا ومراعيًا للحالة الصحية لكل مريض، بحيث يحقق التوازن بين الفائدة والأمان.
وتأتي هذه النتائج في وقت يتزايد فيه الاهتمام العالمي بنمط الحياة الصحي كعنصر مكمل للعلاج الطبي التقليدي، حيث باتت التوصيات الحديثة تشدد على ضرورة دمج النشاط البدني والتغذية السليمة والدعم النفسي ضمن منظومة الرعاية الشاملة لمرضى السرطان. ويرى مختصون أن هذه المقاربة المتكاملة قد تسهم في تحسين معدلات البقاء وتعزيز جودة الحياة، بدل الاكتفاء بالتركيز على الجانب الدوائي فقط.
كما تعزز الدراسة من قناعة متنامية داخل الأوساط الطبية بأن الخمول يمثل عامل خطر يمكن التحكم فيه، وأن التوعية بأهمية الحركة يجب أن تبدأ منذ لحظة التشخيص، مع توفير برامج دعم وإرشاد تساعد المرضى على تبني عادات صحية مستدامة.
ويرى القائمون على البحث أن الرسالة الأهم التي تخرج بها الدراسة هي أن المرض لا يعني التوقف عن الحركة، بل على العكس، فإن النشاط البدني المدروس قد يكون أحد الأسلحة الفعالة في مواجهة المرض وتحسين فرص النجاة. ودعوا إلى مزيد من الدراسات المتخصصة لفهم الآليات البيولوجية الدقيقة التي تربط بين الحركة وانخفاض معدلات الوفاة، بما يفتح الباب أمام تطوير توصيات علاجية أكثر دقة وتخصيصًا.
في ظل هذه المعطيات، تبدو الرسالة واضحة: الحفاظ على قدر مناسب من النشاط البدني ليس مجرد خيار لتحسين نمط الحياة، بل قد يكون عاملًا حاسمًا في دعم رحلة العلاج وتعزيز فرص البقاء لدى مرضى السرطان، ما يضع الحركة في موقع متقدم ضمن استراتيجيات المواجهة الشاملة لهذا المرض.


