كتب : صفاء مصطفى... العرب نيوز اللندنية
حذرت صحيفة هآرتس الإسرائيلية من أن الحكومة الحالية تدفع بالجيش نحو مواجهة محتملة مع إيران دون وضوح بشأن الكلفة الحقيقية لمثل هذه الحرب، سواء على المستوى العسكري أو الاقتصادي أو الإنساني، معتبرة أن الخطاب السياسي السائد يهيئ الرأي العام لسيناريو تصعيدي غير محسوب النتائج.
وفي مقال تحليلي للكاتب السياسي تسفي برئيل، أشار إلى أن حكومة بنيامين نتنياهو تبدو وكأنها تعيد إنتاج نمط من إدارة الأزمات قائم على التصعيد واستباق الأحداث بخطاب أمني مكثف، رغم أن التجربة الأخيرة في الحرب على قطاع غزة أظهرت ثغرات عميقة في الجاهزية والتقدير الاستخباراتي.
ويرى الكاتب أن إسرائيل لم تتعاف بعد من تبعات الحرب الأخيرة، حيث لا يزال آلاف المواطنين غير قادرين على العودة إلى منازلهم التي تضررت أو دمرت، كما أن منظومات الدعم والتعويض لم تلبِّ احتياجات المتضررين بشكل كامل. وفي الوقت ذاته، يعاني الجيش من ضغط كبير على مستوى القوى البشرية، وسط جدل داخلي متصاعد حول مسألة تجنيد الحريديم وتوزيع أعباء الخدمة العسكرية.
ويؤكد المقال أن الحديث عن مواجهة مباشرة مع إيران لا يمكن فصله عن المشهد الإقليمي الأوسع، حيث تتعدد الجبهات وتتعقد الحسابات. فالتوتر لا يقتصر على غزة، بل يمتد إلى الشمال مع لبنان، إضافة إلى الضربات المتكررة في سوريا، فضلًا عن التصعيد المستمر في الضفة الغربية. ويطرح هذا الواقع تساؤلات جدية حول قدرة المؤسسة العسكرية على خوض حرب واسعة النطاق في أكثر من ساحة في آن واحد.
ويتساءل الكاتب عمّا إذا كانت إسرائيل تعتزم الانخراط فعليًا في حرب مباشرة مع إيران، أم أنها تراهن على تدخل الولايات المتحدة لتولي الجزء الأكبر من المواجهة. كما يطرح تساؤلات حول مدى استعداد الجبهة الداخلية لاحتمال تعرضها لوابل من الصواريخ بعيدة المدى، وحول قدرة منظومات الدفاع الجوي على التعامل مع هجمات مكثفة ومتزامنة، إضافة إلى خطط إجلاء السكان في حال توسع نطاق الاستهداف.
ويشير المقال إلى أن الخطاب السياسي المتداول في بعض الأوساط الإسرائيلية يتحدث بثقة عن إمكانية “تغيير وجه المنطقة” أو “تحييد التهديد الإيراني”، إلا أن مثل هذه الشعارات، بحسب الكاتب، لا تقدم إجابات عملية حول الثمن المتوقع. فالحرب مع دولة بحجم إيران وإمكاناتها العسكرية والصاروخية لن تكون عملية خاطفة، بل قد تتحول إلى مواجهة إقليمية مفتوحة تشارك فيها أطراف متعددة.
كما يلفت إلى وجود تباين في المواقف داخل الإدارة الأمريكية برئاسة دونالد ترامب، بين تيار يرى أن الحل الدبلوماسي لا يزال ممكنًا عبر اتفاق يحد من البرنامج النووي الإيراني، وآخر يفضل الإبقاء على خيار القوة العسكرية كوسيلة ردع. ويؤكد أن أي قرار إسرائيلي بالتصعيد لن يكون بمعزل عن الحسابات الأمريكية، سواء من حيث الدعم السياسي أو العسكري.
ويعتبر الكاتب أن النقاش الحقيقي الغائب عن الساحة الإسرائيلية يتمثل في مقارنة واضحة بين كلفة اتفاق سياسي محتمل مع طهران، مهما كانت تنازلاته، وكلفة حرب شاملة لا يمكن التنبؤ بمداها الزمني ولا بحجم خسائرها. فالاتفاق، برأيه، يمكن قياس تبعاته وتحديد آلياته، بينما الحرب تبقى رهينة التطورات الميدانية وردود الفعل الإقليمية والدولية.
ويخلص المقال إلى أن اندفاع الحكومة نحو خطاب المواجهة يثير مخاوف داخلية متزايدة من أن تتحول الحسابات السياسية إلى عامل ضغط يدفع باتجاه مغامرة عسكرية غير محسوبة، في وقت تحتاج فيه إسرائيل إلى إعادة ترميم جبهتها الداخلية وتعزيز تماسكها الاجتماعي والاقتصادي. وبينما تتصاعد التحذيرات من تهديدات خارجية، يبقى السؤال المطروح: هل البلاد مستعدة فعلًا لتحمل تبعات حرب مع إيران، أم أن البدائل السياسية لم تُستنفد بعد؟


