كتب : صفاء مصطفى... العرب نيوز اللندنية
أعلنت الحكومة الإسرائيلية يوم الثلاثاء أنها ستوقف عمل العشرات من المنظمات الإنسانية الدولية العاملة في قطاع غزة اعتبارًا من 1 يناير 2026، في قرار يعد من بين الأكثر إثارة للجدل بشأن وصول المساعدات الإنسانية إلى القطاع على خلفية استمرار الأزمة الإنسانية هناك.
وقالت وزارة الشؤون المعنية في بيان رسمي إن القرار أتى بعد أن فشلت عدد من المنظمات في الامتثال لمتطلبات تسجيل جديدة فرضتها إسرائيل على منظمات الإغاثة العاملة داخل غزة. وتشمل هذه المتطلبات تقديم معلومات مفصلة عن الموظفين الأجانب والمحليين، ومصادر التمويل، وأنشطة التشغيل داخل القطاع. وأضافت الوزارة أنها منحت هذه المنظمات مهلة طويلة للامتثال للشروط، لكنها قررت في نهاية المطاف إلغاء تصاريح عمل أكثر من 25 منظمة لأنها لم تستوف الشروط المطلوبة.
وتشمل المنظمات المعنية جهات تعمل في مجالات حيوية مثل الرعاية الصحية، وتقديم الغذاء والمياه، والدعم النفسي، والمساعدات الطارئة. وكانت بعض هذه الهيئات تعمل في غزة منذ سنوات، وتُعد من الركائز الأساسية في تقديم الخدمات الإنسانية لسكان القطاع الذين يعانون من تداعيات الحرب والحصار المستمر منذ سنوات.
وأوضحت السلطات الإسرائيلية أن هذه الإجراءات تستهدف ما وصفتها بـ “الحفاظ على الأمن القومي ومنع أي استغلال محتمل للغطاء الإنساني من قبل عناصر معادية”. وذكرت أن بعض الموظفين في المنظمات المتضررة كانت تربطهم صلات بأنشطة يتهمها الجانب الإسرائيلي بأنها مرتبطة بـ “عناصر إرهابية”، لكنها لم تقدم تفاصيل دقيقة حول تلك الاتهامات.
وقد أثار هذا القرار انتقادات واسعة من قبل المجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية الإنسانية، حيث اعتبرت هذه الجهات أن القيود الجديدة تعسفية وقد تعرض العاملين في الميدان لمخاطر حقيقية، كما ستعيق تقديم المساعدات الأساسية للمدنيين. وأكدت تلك المنظمات أن تقديم قوائم بأسماء الموظفين، خاصة المحليين منهم، قد يجعلهم عرضة للمراقبة أو الملاحقة في بيئة سياسية وأمنية معقدة بالفعل، مما قد يثني الكثيرين عن العمل في المجال الإنساني داخل غزة.
وتأتي هذه الخطوة في وقت يعاني فيه أكثر من مليوني فلسطيني داخل قطاع غزة من تدهور حاد في الظروف الإنسانية. فالبنية التحتية الأساسية، بما في ذلك المستشفيات، وشبكات المياه، والخدمات الكهربائية، تدهورت بشكل كبير بسبب سنوات من النزاع والحصار، بالإضافة إلى نقص حاد في الوقود والأدوية والمواد الغذائية الأساسية. ويعتمد السكان بشكل واسع على المساعدات الإنسانية لتلبية احتياجاتهم اليومية، مما يجعل أي عرقلة لوصول تلك المساعدات أمرًا ذا تأثير مباشر على حياة المدنيين.
وقد حذرت جهات دولية من أن وقف أنشطة المنظمات الإنسانية في غزة سيؤدي إلى تفاقم الأوضاع الإنسانية، لاسيما مع وجود فئات سكانية ضعيفة مثل الأطفال، والمرضى، وكبار السن. وقالت هذه الجهات إن توقف عمل بعض المنظمات قد يؤدي إلى انقطاع خدمات الرعاية الصحية الأساسية، وتراجع توزيع الغذاء والمياه النظيفة، وضعف الدعم النفسي والاجتماعي للمحتاجين.
وكانت إسرائيل قد فرضت في الأشهر الماضية شروط تسجيل جديدة على المنظمات الأجنبية، تتضمن متطلبات واسعة للحصول على تصاريح العمل داخل الأراضي الفلسطينية. وشملت هذه الشروط تقديم بيانات تفصيلية عن الأفراد العاملين في المنظمات، بما في ذلك المعلومات الشخصية، إلى جانب تقديم تقارير مالية مفصلة عن مصادر التمويل وأنشطة الإنفاق. وترى إسرائيل أن هذه الإجراءات ضرورية لأسباب تتعلق بـ “الشفافية” و”الأمن”، لكنها في المقابل واجهت معارضة من منظمات الإغاثة التي رأت أن هذه المتطلبات غير عملية وتعيق العمل الإنساني.
ومن جانبها، أعربت بعض الحكومات ووفود دبلوماسية عن قلقها من تداعيات القرار على السكان المدنيين في غزة، ودعت إلى إيجاد آليات تضمن استمرار وصول المساعدات الإنسانية دون المساس بشروط السلامة والأمن لكل من المدنيين والعاملين في المنظمات. كما دعت جهات حقوقية إلى حوار فوري بين السلطات الإسرائيلية والمنظمات المتضررة لإيجاد حلول وسط يمكن من خلاله الحفاظ على استمرار العمل الإنساني مع مراعاة المتطلبات القانونية.
في المقابل، دافعت الحكومة الإسرائيلية عن القرار، مؤكدة أنه يهدف إلى تنظيم عمل المنظمات الأجنبية وضمان الالتزام بالقوانين المحلية، وأنها لن تتراجع عن تطبيق الشروط الجديدة إلا بعد التأكد من استيفاء المنظمات المعنية لكافة المعايير المطلوبة. وأشارت إلى أنها مستعدة للنظر في طلبات إعادة التقييم من المنظمات في حال قدمت بيانات كاملة تستوفي المتطلبات.
مع دخول القرار حيز التنفيذ في 1 يناير 2026، تتجه الأنظار إلى ردود فعل المنظمات الإنسانية وقدرتها على التعامل مع المستجدات، وإمكانية تقديم طعون قانونية أو اللجوء إلى جهات دولية للضغط من أجل إعادة النظر في القرار. كما تبقى قضية تلبية الاحتياجات الإنسانية العاجلة لسكان غزة واحدة من أبرز التحديات التي تواجه المجتمع الدولي، في ظل مخاوف من أن يؤدي وقف أنشطة المنظمات إلى زيادة معاناة المدنيين وتصاعد الأزمة الإنسانية في القطاع خلال العام القادم
.


