كتب : صفاء مصطفى... العرب نيوز اللندنية
تشهد مناطق متعددة داخل الجمهورية العربية السورية تصعيدًا أمنيًا ملحوظًا مع عودة نشاط تنظيم داعش الإرهابي، الذي كثّف هجماته خلال الأشهر الماضية عبر استخدام تكتيك “الذئاب المنفردة” — أسلوب يعتمد على مهاجمين فرديين يعملون بمعزل عن بنية التنظيم التقليدية، مما يجعل رصدهم ومنعهم أكثر صعوبة بالنسبة لقوات الأمن المحلية وقوات التحالف.
تصاعد الهجمات في مناطق متفرقة
رصدت مصادر محلية وعسكرية في محافظات دير الزور والحسكة والرقة ارتفاعًا في عدد الهجمات التي تنفذها هذه الخلايا الفردية التابعة للتنظيم، والتي غالبًا ما تستهدف نقاط تفتيش وأفرادًا من القوات الأمنية، بالإضافة إلى المدنيين في بعض الأحياء. وتراوح نوع الهجمات بين إطلاق نار، زرع عبوات ناسفة، واستهداف عربات قوات الأمن بسيارات مفخخة صغيرة تحمل منفذ الهجوم نفسه.
ويُظهر التحليل الأمني أن التنظيم ما زال يمتلك قدرة على التجنيد والتنشئة في مناطق النطاق الصحراوي والفراغات الأمنية شمال وشرق سوريا، مستغلاً ضعف الرقابة في بعض المناطق النازحة أو المتعادلة سياسيًا، ما سمح لعدد من العناصر بالاندماج مجددًا في المجتمع قبل تنفيذ عملياتهم.
تكتيك “الذئاب المنفردة”… لماذا؟
اعتمد التنظيم هذا الأسلوب كاستجابة لضغوط العمليات العسكرية والتمشيطية التي طالت قياداته وبنيته التنظيمية في الأعوام السابقة، إذ أدرك قادة داعش أن العمل الجماعي المنظم أصبح أكثر عرضة للاكتشاف والمواجهة من قبل الأجهزة الأمنية والقوات الكردية والحكومية.
لذلك، توجّه التنظيم نحو تجنيد أفراد يعملون بانفرادية تامة، غالبًا دون اتصال مباشر مع قيادات ميدانية، مستفيدًا من بيئة الفوضى الأمنية في بعض المناطق. ومن خصائص هذا التكتيك:
عزل المنفذ عن باقي الخلايا لتقليل خطر كشف الشبكات الأكبر.
استهداف الأماكن المزدحمة أو الحساسات الأمنية لإحداث أكبر قدر من التأثير النفسي والمادي.
استخدام أسلحة بسيطة نسبيًا يسهل حصول المنفذ عليها محليًا.
ردود فعل الأجهزة الأمنية
من جانبها، شددت الأجهزة الأمنية في سوريا من عمليات المراقبة وجمع المعلومات، وأعلنت عددًا من الحملات الأمنية في المناطق الصحراوية والمناطق الريفية بهدف تحديد هوية العناصر المنفردة وملاحقتهم. كما تعاونت بعض الوحدات مع المجالس المحلية لتبادل المعلومات عن وجود أشخاص مشتبه فيهم، خاصة في القرى القريبة من خطوط التماس والطرق الصحراوية.
وأكدت القيادة العامة أن عمليات “الذئاب المنفردة” تمثل خطرًا إستراتيجيًا جديدًا يتطلب تنسيقًا أمنيًا أوسع مع الفصائل المحلية وقوات التحالف الدولي، لا سيما في جمع الأدلة الاستباقية قبل وقوع الهجمات، إضافة إلى التركيز على تجنيد وتدريب القوات المحلية على التعامل مع السيناريوهات الفردية غير التقليدية.
تأثير الهجمات على المدنيين
أدت هذه الهجمات إلى زيادة مخاوف السكان المدنيين في المناطق المتأثرة، حيث بدأ كثيرون بتجنب التحرك في ساعات معينة أو تخفيف خروجاتهم من القرى إلى المدن، ما يؤثر سلبًا على الحياة الاقتصادية والتعليمية. كما عبرت منظمات حقوقية وإنسانية عن قلقها من أن استمرار مثل هذه الهجمات قد يؤدي إلى نزوح داخلي جديد في المناطق المتضررة، خصوصًا لدى العائلات التي فقدت أحد أفرادها أو شهدت استهدافًا مباشرًا.
تحليلات: أين يذهب التنظيم؟
يرى محللون أمنيون أن تكتيك “الذئاب المنفردة” ليس انتصارًا للتنظيم، بل تكتيك دفاعي ناجم عن الضغط العسكري الشديد على هيكله التقليدي. ومع ذلك، فإن بقاء التنظيم قادرًا على إنتاج منفذين فرديين يشير إلى أن:
شبكات الدعم الاجتماعي في بعض المناطق ما زالت موجودة.
التنظيم يستفيد من التهميش والفقر في مناطق بديلة.
هناك حاجة لتعزيز الإدماج الاجتماعي والاقتصادي في المناطق المتأثرة للحد من قابلية العناصر للتجنيد.
في المحصلة، يمثل تكتيك “الذئاب المنفردة” تطورًا خطيرًا في أساليب العنف الذي ينتهجه تنظيم داعش في سوريا، يستدعي تصميم استراتيجي أمني وإنساني متكامل للتعامل مع هذا النوع من التهديدات المعقدة في المستقبل.


