كتب : يسرا عبدالعظيم
العلم يكشف لماذا يمنحنا العناق الدافئ شعورًا عميقًا بالراحة
لم يكن العناق يومًا مجرد تعبير عاطفي عابر، بل تؤكد الأبحاث العلمية الحديثة أنه تجربة نفسية وجسدية متكاملة، تمتد جذورها إلى أعمق طبقات الوعي الإنساني. فقد كشفت دراسة علمية حديثة أن الإحساس بالدفء يلعب دورًا محوريًا في تعزيز ما يُعرف بـ«ملكية الجسد»، أي الشعور الداخلي بأن هذا الجسد هو “نحن” فعلًا، وهو عنصر أساسي في الصحة النفسية والتوازن العاطفي.
وبحسب مراجعة علمية شاملة نُشرت في مجلة Trends in Cognitive Sciences في ديسمبر 2025، فإن الدماغ لا يتعامل مع الدفء والبرودة باعتبارهما إحساسين سطحيين فقط، بل يراهما إشارات عصبية عميقة تسهم في تشكيل الوعي الذاتي وتنظيم المشاعر. فالحرارة ليست مجرد إحساس جلدي، بل لغة عصبية قديمة يتواصل بها الجسد مع العقل.
ويؤكد الباحثون أن الإحساس الحراري من أقدم الحواس لدى الإنسان. فمنذ وجودنا في رحم الأم، يرتبط الدفء بالأمان والحماية والرعاية. هذا الارتباط العميق يستمر معنا عبر مراحل الحياة المختلفة، ليظل محفورًا في الدماغ كرمز للطمأنينة والانتماء.
ومن هنا، يصبح العناق الدافئ أكثر من مجرد لحظة حميمية؛ إنه تجربة تعيد تنشيط ذاكرة عصبية قديمة، وتستحضر شعور الأمان الأول. فعند العناق، تنشط مسارات عصبية متخصصة، ويحفَّز إفراز هرمون الأوكسيتوسين المعروف بـ«هرمون الارتباط»، ما يؤدي إلى خفض مستويات التوتر والقلق، وتعزيز الشعور بالراحة والاتصال بالذات وبالآخرين.
العلم إذن يمنحنا تفسيرًا بسيطًا وعميقًا في آنٍ واحد:
العناق ليس ضعفًا ولا رفاهية، بل حاجة إنسانية أصيلة، تحمل في دفئها قدرة حقيقية على الشفاء، وإعادة التوازن، وتذكير الإنسان بأنه ليس وحده.


