كتب : صفاء مصطفى... العرب نيوز اللندنية
أعلن فريق من علماء الفلك والجيولوجيا في جامعة ترينتو الإيطالية عن أول دليل مباشر على وجود أنابيب حمم بركانية عملاقة تحت سطح كوكب الزهرة، في اكتشاف يُعد من أهم الاكتشافات الجيولوجية الحديثة المتعلقة بالكوكب الشقيق للأرض. يمنح هذا الاكتشاف نظرة غير مسبوقة على البنية الداخلية لزهرة الأرض، ويعزز فهمنا لعمليات التشكل والتطور البركاني على هذا الكوكب الغامض.
كشف البيانات القديمة بعيون جديدة
استخدم الباحثون بيانات رادارية مأخوذة من مهمة ناسا “ماجلان” الفضائية التي قامت بين عامي 1990 و1992 بمسح سطحي لكوكب الزهرة باستخدام رادار Synthetic Aperture Radar، والذي مكّنهم من تجاوز الغلاف السميك للكوكب الذي لا يسمح بالمراقبة البصرية المباشرة. بتحليل متقدم لصور الرادار، لاحظ الفريق وجود **فتحة أو “ثقب” في أرض منطقة بركانية تُعرف باسم نيكس مونز، وهو جبل بركاني ضخم على الزهرة، حيث يظهر أن جزءاً من سقف أنبوب بركاني قد انهار، مما كشف عن تجويف ضخم تحته.
حجم الأنابيب البركانية وميزاتها
الأنبوب البركاني المكتشف يُقدّر قطره بحوالي 1 كيلومتر تقريباً، ويحتوي سقفاً سميكاً يبلغ عمقه أكثر من 150 متراً فوق تجويف فارغ يصل عمقه إلى نحو 375 متراً، ما يجعله أوسع بكثير من أكبر أنابيب الحمم المعروفة على الأرض. وهذه الأحجام والخصائص تدعم فرضية أن عمليات تدفق الحمم البركانية على الزهرة كانت ضخمة، وأن هناك احتمالاً كبيراً لوجود شبكة من الأنابيب الممتدة على مسافات بعشرات الكيلومترات، ربما تصل أيضاً إلى أكثر من 45 كيلومتراً تحت السطح وفق تقديرات العلماء اعتماداً على التضاريس المحيطة وتحليل فتحات مماثلة.
لماذا يعتبر الاكتشاف مهماً؟
هذا الاكتشاف لا يقتصر على كونه مجرد دليل على وجود تجويف بركاني تحت سطح الزهرة فحسب، بل يحمل دلالات أوسع في فهم تاريخ النشاط البركاني على الكوكب. حتى الآن، لم تكن هناك دلائل قوية على وجود بنى تحت سطحية كبيرة نتيجة للحمم البركانية، وقد ظل العلماء يفترضون وجود مثل هذه الأنابيب اعتماداً على أمثلة معروفة على القمر والمريخ. ولكن هذا الاكتشاف يقدم أول دليل واقعي ملموس بأن عمليات الانسياب البركاني على الزهرة كانت قوية بما يكفي لتكوين أنابيب ضخمة مشابهة لتلك الموجودة على الأجرام الأخرى، وهو ما يفتح آفاقاً جديدة لفهم التاريخ الجيولوجي للكوكب.
كيف تشكلت هذه الأنابيب؟
ينشأ هذا النوع من التجاويف عندما تتدفق الحمم المنصهرة عبر سطح بركاني وتبرد الطبقة العليا بسرعة، بينما يستمر التدفق أسفلها، مما تتيح للجزء الأسفل من الحمم أن يستمر في الحركة، تاركاً وراءه أنبوباً أو قناة مجوفة بعد أن يتوقف التدفق. على الزهرة، تسهم الجاذبية الأقل مقارنة بالأرض والغلاف الجوي الكثيف في تيسير تكون قشرة عازلة سميكة حول الحمم أثناء تدفقها، مما يسمح لهذه الأنابيب بالنمو الكبير في الحجم.
التحديات والفرص المستقبلية
رغم أهمية هذا الاكتشاف، فإن العلماء ما زالوا يعتمدون على بيانات قديمة مأخوذة منذ أكثر من ثلاثة عقود، والتي لا تسمح بتحديد التفاصيل الدقيقة لكامل امتداد الأنابيب أو معرفة ما إذا كانت هناك شبكة أكبر تحت السطح. ولهذا السبب، تعتبر البعثات المستقبلية إلى الزهرة ذات أهمية خاصة؛ فبعثات مثل برنامج EnVision التابع لوكالة الفضاء الأوروبية وVERITAS التابع لوكالة ناسا ستزود الباحثين بأنظمة رادار متقدمة ذات دقة أعلى، قادرة على تصوير التفاصيل الصغيرة على السطح وحتى اختراق الطبقات العليا للحصول على خرائط أكثر دقة للبنى الداخلية، بما في ذلك الأنابيب البركانية دون الحاجة لوجود فتحات سطحية.
ما الذي يعنيه الاكتشاف لعلم الفلك؟
يمثل هذا الاكتشاف خطوة كبيرة في فهم الزهرة ككوكب نشط جيولوجياً في الماضي، ويطرح أسئلة حول متى وكيف تطورت البنى الداخلية للبراكين على هذا الكوكب، وكيف يختلف ذلك عن الأرض وغيرها من الكواكب. علاوة على ذلك، فإنه يشير إلى أن الزهرة — رغم غلافه السميك وظروفه القاسية — كان لديه في وقت ما نشاط بركاني قوي بما يكفي لتشكيل هياكل تحت سطحية ضخمة، مما قد يلقي الضوء على عمليات التكون الحراري والفيزيائي في عوالم شبيهة بالأرض خارج نظامنا الشمسي في المستقبل.


