كتب : دينا كمال
أزمة الوقود تتجدد في السودان.. طوابير طويلة وانتعاش السوق السوداء
تشهد شوارع الخرطوم وعدد من المدن السودانية عودة طوابير المركبات أمام محطات الوقود، في مشهد يعكس تفاقم أزمة الطاقة وتأثيراتها على الحياة اليومية. ويربط مراقبون جزءاً من هذه الضغوط بارتفاع أسعار النفط عالمياً، إلا أن ضعف آليات التوزيع والرقابة المحلية أسهم في تفاقم الأزمة وعودة السوق السوداء.
وتداول مستخدمو مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع وصوراً توثق طوابير السيارات والازدحام أمام محطات الوقود، ما أثار مخاوف متزايدة من انعكاسات الأزمة على الاقتصاد الهش والأنشطة اليومية للمواطنين.
وأكد مواطنون في مدن الخرطوم والخرطوم بحري وأم درمان تصاعد أزمة الوقود خلال اليومين الماضيين، مشيرين إلى أنهم يقضون ساعات طويلة في الانتظار للحصول على الوقود، في وقت ارتفعت فيه أسعاره في السوق السوداء إلى مستويات غير مسبوقة.
وقال أحد سائقي سيارات الأجرة إن الانتظار أمام المحطات يستغرق ساعات طويلة، بينما باتت أسعار الوقود في السوق غير الرسمية تشكل عبئاً كبيراً على السائقين، ما يعرقل قدرتهم على العمل بشكل طبيعي.
وفي مدينة أم درمان عادت طوابير السيارات إلى محطات الوقود بالتزامن مع انتشار واسع للسوق السوداء وارتفاع أسعار البنزين بشكل ملحوظ، ما يعكس اتساع نطاق الأزمة إلى ولايات عدة مع وجود تفاوت كبير بين الأسعار الرسمية وغير الرسمية.
وبحسب مصادر متطابقة، بلغ سعر جالون البنزين في السوق السوداء نحو 30 ألف جنيه سوداني، أي ما يعادل حوالي 8.11 دولارات. كما سجلت مناطق التعدين الأهلي للذهب ارتفاعاً ملحوظاً في أسعار الغازولين، حيث وصل سعر عبوة الوقود سعة أربعة جالونات إلى نحو 175 ألف جنيه سوداني، أي ما يقارب 50 دولاراً.
كما ارتفع سعر جالون البنزين في أم درمان من نحو 18 ألف جنيه إلى 20,547 جنيهاً خلال أقل من أسبوع، بزيادة تقترب من 14%.
وفي ولاية نهر النيل شمالي البلاد، سجلت مدينة عطبرة ارتفاعاً مماثلاً في سعر جالون البنزين ليصل إلى 20,547 جنيهاً، بينما بلغ سعر أسطوانة الغاز نحو 78 ألف جنيه سوداني، وسط تحذيرات من السلطات المحلية بفرض غرامات تصل إلى مليون جنيه وسحب التراخيص في حال التلاعب بالأسعار.
كما تشهد مدينة الدامر، عاصمة ولاية نهر النيل، نقصاً حاداً في الوقود منذ صباح الثلاثاء، مع تزايد الطوابير أمام محطات التزود، ما يشير إلى امتداد الأزمة إلى مدن عدة خارج العاصمة.
ولم تسلم مدن شرق السودان من تداعيات الأزمة، إذ ارتفع سعر جالون البنزين في مدينة كسلا إلى نحو 22,500 جنيه سوداني.
وفي المقابل، أكد وزير الطاقة والنفط السوداني أن البلاد تمتلك احتياطيات من الوقود تكفي لمدة 16 يوماً من البنزين و21 يوماً من الجازولين و17 يوماً من وقود الطائرات. وأوضح أن أربع بواخر محملة بالبنزين بحمولة تبلغ 155 ألف طن إضافة إلى ناقلتي جاز أويل تنتظر التفريغ.
وأشار الوزير خلال مؤتمر صحافي إلى أن معظم إمدادات الوقود تصل عبر البحر الأحمر والبحر المتوسط والبحر الأسود، وليس من الخليج، مؤكداً أن التوترات العالمية تؤثر بشكل رئيسي على تكلفة الاستيراد والأسعار في السوق.
من جهتها، أوضحت مصادر رسمية أن اضطرابات سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف الشحن البحري والتأمين أدت إلى زيادة كبيرة في أسعار النفط والمنتجات البترولية عالمياً، وهي مستويات لم تشهدها الأسواق منذ سنوات.
كما تشير تقارير إلى أن أي اضطراب في الملاحة عبر مضيق هرمز، الذي يعد أحد أهم الممرات الحيوية لنقل الطاقة في العالم، ينعكس سريعاً على أسعار النفط وتكاليف الشحن والتأمين، ما يؤدي إلى ارتفاع أسعار الوقود والسلع الأساسية في دول المنطقة، بما فيها السودان.
ورغم تأكيدات الحكومة بوجود احتياطي كافٍ من الوقود، فإن الواقع الميداني يكشف عن فجوة واضحة بين الأرقام الرسمية وتوفر الوقود فعلياً للمواطنين، في ظل استمرار الطوابير وارتفاع أسعار السوق السوداء وندرة الوقود في مدن عدة.
ويخشى المواطنون أن يؤدي استمرار الأزمة إلى موجة جديدة من ارتفاع أسعار السلع والخدمات، خاصة في قطاع النقل الذي يعتمد بشكل كبير على الوقود، ما قد يؤثر بدوره على حركة الأسواق وشحن البضائع والخدمات الأساسية.
ويرى مراقبون أن استمرار نشاط السوق السوداء وارتفاع سعر الدولار مقابل الجنيه السوداني يزيدان من تعقيد الأزمة، في وقت تتزايد فيه التساؤلات حول قدرة الحكومة على ضبط الأسعار وتنظيم التوزيع قبل تفاقم الأوضاع المعيشية للمواطنين.


