كتب : الفريق الدكتور سعد معن الموسوي
يشهد العالم اليوم تحولا جذريا في مفهوم الأمن، حيث لم تعد التهديدات محصورة في المجال الميداني التقليدي، بل انتقلت إلى فضاءات رقمية مفتوحة تتجاوز الحدود الجغرافية وتستهدف العقول قبل الأجساد. وفي بلدنا الذي خاض تحديات أمنية جسيمة خلال العقود الماضية، تبرز الرقمنة بوصفها سلاحا ذا حدين ، إما أداة لتعزيز الاستقرار، أو ثغرة تُستغل لزعزعته إن غاب الوعي والمسؤولية.
ومن هذا المنطلق، تكتسب المواطنة الرقمية بُعدًا أمنيا خاصا في السياق العراقي، إذ لم تعد مسألة ثقافية أو تعليمية فحسب، بل أصبحت عنصرًا أساسيًا من عناصر الأمن الوطني، وجزءًا من منظومة الوقاية الاستباقية التي تعتمدها المؤسسات الأمنية الحديثة.
لقد أثبتت التجارب أن الجماعات المتطرفة، وشبكات الجريمة المنظمة، وحملات التضليل الإعلامي، تستثمر الفضاء الرقمي لبث الشائعات، وتأجيج الانقسام، واستهداف ثقة المواطن بالدولة ومؤسساتها الأمنية. وهنا تبرز أهمية بناء مواطن رقمي واعٍ، يدرك خطورة إعادة نشر محتوى غير موثوق، ويعي أن التفاعل السلبي أو غير المسؤول قد يتحول، دون قصد، إلى مساهمة في تهديد الأمن والاستقرار.
إن دعم الاستقرار الأمني في العراق عبر الرقمنة لا يقتصر على استخدام التكنولوجيا في العمل الأمني فقط، بل يتطلب توظيف الرقمنة في بناء الوعي المجتمعي، وترسيخ ثقافة تحصن الفضاء الرقمي من الاستغلال. فكل مواطن يمتلك هاتفا ذكيًا هو فاعل في المشهد الأمني الرقمي، سلبًا أو إيجابًا، بحسب مستوى وعيه والتزامه.
وتؤمن القيادات الأمنية بأن الأمن المستدام لا يُبنى بالقوة وحدها، بل بالشراكة مع المجتمع. ومن هنا، فإن التربية على المواطنة الرقمية تمثل استثمارًا طويل الأمد في الاستقرار، عبر تعزيز قيم الانضباط، واحترام القانون، والمسؤولية الوطنية في الفضاء الإلكتروني، تمامًا كما هو الحال في الواقع المادي.
كما أن توظيف الرقمنة بشكل إيجابي يفتح آفاقًا واسعة لتعزيز الثقة بين المواطن والمؤسسة الأمنية، من خلال المنصات الرسمية، والخدمات الإلكترونية، والتواصل الشفاف، بما يسهم في محاصرة الشائعات، وتسريع إيصال المعلومة الصحيحة، وتعزيز الشعور بالأمان.
وفي العراق اليوم، حيث تتجه الدولة بخطى متسارعة نحو التحول الرقمي، فإن نجاح هذا التحول مرهون بوجود وعي رقمي أمني يواكبه، يحمي المنجزات، ويمنع استغلال التكنولوجيا ضد السلم المجتمعي. فالتكنولوجيا بلا وعي قد تُربك الأمن، لكنها بالمسؤولية تصبح معززة للاستقرار.
ونؤكد كمعنيين بالأمن الداخلي أن الاستقرار الأمني في العراق هو مسؤولية مشتركة، تبدأ من وعي الفرد، وتمتد إلى مؤسسات الدولة، وأن المواطنة الرقمية ليست خيارًا، بل ضرورة وطنية في معركة الحفاظ على الأمن، وبناء مستقبل آمن ومستقر لأجيالنا القادمة.



