كتب : دينا كمال
الابتزاز الإلكتروني خطر متصاعد يهدد الأمن المجتمعي وسبل مواجهته
في ظل التغلغل المتسارع للتكنولوجيا في تفاصيل الحياة اليومية، لم يعد الفضاء الرقمي مجرد وسيلة للتواصل أو مصدرًا للمعلومات، بل أصبح بيئة اجتماعية متكاملة ذات تأثير مباشر على السلوك الإنساني والأمن النفسي للأفراد.
ومع هذا التحول، برزت أنماط إجرامية حديثة لا تعتمد على العنف المادي أو السلاح التقليدي، وإنما تستخدم الضغط النفسي وانتهاك الخصوصية واستغلال التكنولوجيا كوسيلة صامتة لترويع الضحايا، وفي مقدمتها جرائم الابتزاز والتنمر الإلكتروني.
ويؤكد خبراء في الأمن السيبراني أن هذه الجرائم لم تعد حوادث فردية معزولة، بل تحولت إلى تهديد حقيقي للأمن المجتمعي، لما تتركه من آثار نفسية عميقة قد تمتد لسنوات وتؤثر في مستقبل الضحايا، خاصة النساء والأطفال، باعتبارهم الفئات الأكثر هشاشة في مواجهة الضغوط الرقمية.
محتوى مفبرك وأدوات متطورة
يحذر مختصون من أن التطور السريع في تقنيات الذكاء الاصطناعي والتزييف العميق جعل جرائم الابتزاز أكثر تعقيدًا، إذ بات بإمكان الجناة تصنيع محتوى مفبرك يبدو واقعيًا إلى حد كبير، ما يصعّب على الضحايا إثبات براءتهم أو مواجهة التهديدات.
وأشار خبراء إلى أن هذه الظاهرة لم تعد شأنًا فرديًا، بل باتت قضية أمن رقمي تتطلب تعاونًا مشتركًا بين الدولة، والمؤسسات التعليمية، والأسرة، والإعلام، من أجل ترسيخ ثقافة رقمية واعية تحمي المجتمع من هذه المخاطر.
وأوضحوا أن أدوات المبتز الرقمي تشمل اختراق الحسابات، والهندسة الاجتماعية، والتلاعب النفسي عبر علاقات وهمية، إضافة إلى استغلال تقنيات التزييف العميق، مؤكدين أن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في تنفيذ التهديد، بل في حالة الرعب النفسي المستمرة التي تُفرض على الضحية وقد تقودها إلى العزلة أو الانهيار النفسي.
كما أوضحوا أن التنمر الإلكتروني يُعد سلوكًا عدائيًا متكررًا يستهدف الإيذاء النفسي أو التشهير، وتتعدد صوره بين السخرية العلنية، وانتحال الشخصية، والتحريض الجماعي عبر المنصات الرقمية.
المراهقون في دائرة الخطر
يشير مختصون إلى أن فئة المراهقين تُعد الأكثر تأثرًا بهذه الجرائم، حيث ترتبط ممارسات التنمر والابتزاز بارتفاع معدلات القلق والاكتئاب، وقد تصل في بعض الحالات المأساوية إلى التفكير في الانتحار.
ويرجع الخبراء استهداف النساء والأطفال بشكل خاص إلى عدة عوامل، من أبرزها الحساسية الاجتماعية، والخوف من الوصم، وضعف الوعي بالأمن الرقمي، وسهولة التلاعب العاطفي، مؤكدين أن أي مستخدم قد يصبح ضحية محتملة حتى دون ارتكاب خطأ مباشر.
سبل المواجهة
في المقابل، يشدد مختصون أمنيون على أن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب منظومة متكاملة تقوم على تعزيز مفاهيم الأمن السيبراني في التعليم، وتمكين الفئات الأكثر عرضة للمخاطر من فهم أسس الخصوصية الرقمية.
كما يؤكدون أهمية تأمين الحسابات باستخدام المصادقة الثنائية وكلمات مرور قوية وفريدة، إلى جانب توثيق أي تهديد فور وقوعه.
ويرى خبراء أن الإبلاغ المبكر يمثل خط الدفاع الأول لملاحقة الجناة ووقف الجريمة قبل تفاقمها، مع ضرورة توفير دعم قانوني ونفسي للضحايا، وعدم تحميلهم مسؤولية ما تعرضوا له.
ويجمع المختصون على أن معركة مواجهة الجرائم الرقمية تُدار بالتكنولوجيا وتُحسم بالقانون والدعم المجتمعي، مؤكدين أن توفير فضاء رقمي آمن بات حقًا أساسيًا في العصر الحديث.


