كتب : صفاء مصطفى... العرب نيوز اللندنية
تشهد قمة قادة مجموعة العشرين التي تستضيفها جنوب أفريقيا في مدينة جوهانسبرغ توترًا دبلوماسيًا غير مسبوق مع الولايات المتحدة، ما يعكس انقسامات عميقة على أجندة القيادة العالمية والتوجهات الاقتصادية والبيئية.
تصاعد التوتر بين الجانبين
منذ إعلان واشنطن مقاطعتها للقمة، اتهمت جنوب أفريقيا الولايات المتحدة بمحاولة تقويض شرعية رئاستها لمنظمة العشرين. ويأتي هذا في ظل مطالبة أمريكية بأن لا يتم إصدار إعلان قادة للقمة دون حضور واشنطن، وهو ما ترفضه بريتوريا بشدة.
وفقًا لمذكرة دبلوماسية أمريكية تم تسريبها، فإن الولايات المتحدة ترفض إصدار بيان ختامي بـ “موقف جماعي” (consensus) تحت رئاسة جنوب أفريقيا دون مشاركتها، مقترحة بدلاً من ذلك اعتماد “بيان من الرئيس” (Chair’s Statement) فقط.
ردت الحكومة الجنوب أفريقية بأن غياب أمريكا لا ينزع شرعيتها لقيادة القمة، معتبرة أن واشنطن “تفقد تأثيرها” على مخرجات القمة بسبب مقاطعتها.
أول رئاسة أفريقية لمجموعة العشرين… ورسالة متعددة الأبعاد
هذه القمة تمثل نقطة محورية: إنها أول مرة تستضيف فيها دولة أفريقية قمة قادة الـ20.
اختيار جنوب أفريقيا كرئيس للدورة الـ20 لم يكن رمزياً فحسب، بل جاء مع أجندة طموحة تركز على التضامن والمساواة والاستدامة، خصوصًا في مواضيع مثل التغير المناخي، وإدارة الديون للدول الفقيرة، وتمويل الانتقال العادل للطاقة، واستخدام المعادن الحرجة من أجل التنمية المستدامة.
لكن هذه الأجندة اصطدمت بموقف واشنطن التي وصفت بعض بنودها بأنها “تتعارض مع سياسات أمريكية” تقليدية، لا سيما فيما يتعلق بالدور الأكبر للدول النامية والمطالب بتمويل بيئي أوسع.
تصريح رامافوزا وتصميم جنوب أفريقيا
رئيس جنوب أفريقيا، سيريل رامافوزا، رفض الاتهامات الأمريكية بالضغط أو الابتزاز ودافع عن إطلاق إعلان للقمة. وقال إن بلاده لن ترضخ لما وصفه بمحاولة “ابتزاز الغياب” من واشنطن.
من جانبه، أقر المتحدث باسم وزارة العلاقات الدولية الجنوب أفريقية، كريسبين فيري، بأن محاولة واشنطن منع الإعلان هي بمثابة ضغط من الخارج لصالح غياب القوة، مضيفًا أن هذا التكتيك قد يؤدي إلى “شل المؤسسة وتفكك العمل الجماعي”.
وقال رامافوزا أيضًا إن غياب الولايات المتحدة قد لا يكون بالنهاية عقبة؛ بل قد يشكل فرصة لجنوب أفريقيا لإبراز صوت العالم النامي دون الهيمنة التقليدية لدول كبرى.
بوليتيكا التصعيد: اتهام أميركي متبادل
البيت الأبيض وجه اتهامات لجنوب أفريقيا بأنها تستغل رئاستها لمجموعة العشرين كمنصة للتشويش على المبادئ المؤسسة للمجموعة.
بحسب المتحدثة باسم البيت الأبيض، آنا كيلي، فإن رامافوزا دفع باتجاه إصدار إعلان قوي يشمل التزامات واضحة تجاه التغير المناخي وتخفيف أعباء الديون للدول الفقيرة، على الرغم من المعارضة الأمريكية.
واشنطن، وفقًا لمسؤولين، تخشى أن تكون أولويات جنوب أفريقيا أكثر تركيزًا على الدول النامية وليس على سياسات اقتصادية “أساسية” تفضلها الولايات المتحدة، مثل تعزيز النمو ودعم التمويل التقليدي.
صراع على الرئاسة – والمستقبل مع الولايات المتحدة
مع اقتراب مراسم تسليم رئاسة مجموعة العشرين من جنوب أفريقيا إلى الولايات المتحدة (من المقرر أن تتولى واشنطن الرئاسة بعد انتهاء العام) ، تكمن أهمية هذه القمة ليس فقط في السياسات التي تُطرح الآن، بل في ما تتركه من إرث للشراكة بين بريتوريا وواشنطن.
إلا أن هذا النزاع الدبلوماسي يؤشر إلى منعرج جديد: فالمواجهة ليست فقط حول وثيقة ختامية في قمة، بل حول الهوية التي تريد جنوب أفريقيا أن ترسمها لمنظمة العشرين خلال ولايتها – هي هوية تتحدث باسم الدول النامية والعالم الجنوب، وتدعو إلى تحول مؤسسي في أولويات الاقتصاد العالمي.
خلاصة: القمة في جوهانسبرغ لم تكن مجرد اجتماع اقتصادي، بل لحظة سياسية محورية. المواجهة بين جنوب أفريقيا وواشنطن تشير إلى صراع أعمق حول من يمتلك الحق في رسم سياسات التعددية العالمية، وكيف ينبغي أن تُوازن أولويات النمو، العدالة البيئية والتنمية المستدامة. سيكون ما سيُصدر من إعلان في نهاية القمة بمثابة اختبار لمدى قدرة العالم على التقدم رغم التوترات، ولرؤية ما إذا كانت الرئاسة الأفريقية لمجموعة العشرين ستكون بالفعل منصة تغيير أو مجرد عرض رمزي.
عدد المشاهدات: 0



