كتب : صفاء مصطفى... العرب نيوز اللندنية
صعدت الصين من لهجتها في مواجهة الفساد داخل المؤسسة العسكرية، متوعدة باتخاذ إجراءات صارمة بحق مسؤولين تورطوا في إساءة استخدام أموال الجيش، في خطوة تعكس اتساع نطاق حملة مكافحة الفساد لتشمل واحدًا من أكثر القطاعات حساسية ونفوذًا في البلاد.
وأكدت وسائل إعلام رسمية ناطقة باسم القوات المسلحة أن المرحلة الحالية من الحملة ستركز بشكل خاص على التجاوزات المالية، معتبرة أن الفساد لا يشكل فقط جريمة قانونية، بل يمثل خطرًا مباشرًا على الجاهزية القتالية والانضباط العسكري، ويقوض ثقة القيادة السياسية في المؤسسة العسكرية.
وأشارت التقارير إلى أن التحقيقات الجارية طالت بالفعل مسؤولين عسكريين رفيعي المستوى، بينهم قادة يشغلون مناصب مؤثرة في هيكل القيادة، بعد الاشتباه في ارتكابهم “انتهاكات خطيرة لقواعد الانضباط والقانون”، وهو التعبير الذي تستخدمه السلطات الصينية عادة للإشارة إلى قضايا فساد مالي وإداري واسعة النطاق.
وشددت الافتتاحيات الرسمية على أن أي تهاون في التعامل مع قضايا اختلاس أو إساءة إدارة أموال الجيش لن يُسمح به، مؤكدة أن الموارد المخصصة للدفاع يجب أن تُستخدم حصريًا لتعزيز القدرات العسكرية وحماية الأمن القومي، وليس لتحقيق مكاسب شخصية أو شبكات نفوذ داخل المؤسسة.
وفي لهجة غير معتادة، استخدمت الصحف العسكرية تعبيرات حادة لوصف المتورطين، معتبرة أن “نهب أموال الجيش” يمثل خيانة للثقة الممنوحة لهم من الدولة والحزب والشعب، وأن من تورطوا في ذلك سيواجهون عقوبات صارمة دون استثناء، مهما كانت مناصبهم أو قربهم من دوائر صنع القرار.
وتكشف هذه التطورات عن قلق متزايد لدى القيادة الصينية من تأثير الفساد على خطط تحديث الجيش، خاصة في ظل سعي بكين إلى بناء قوات مسلحة حديثة وقادرة على المنافسة عالميًا. وترى القيادة أن أي خلل مالي أو إداري داخل المؤسسة العسكرية قد ينعكس سلبًا على برامج التسليح والتدريب والانضباط، وهو ما تعتبره تهديدًا استراتيجيًا طويل المدى.
وتأتي هذه الحملة في سياق أوسع من جهود مكافحة الفساد التي تشهدها الصين منذ أكثر من عقد، والتي طالت ملايين المسؤولين في مختلف المستويات الإدارية والحزبية. غير أن توسعها لتشمل كبار القادة العسكريين يعكس مرحلة جديدة أكثر حساسية، نظرًا لما يتمتع به الجيش من مكانة خاصة ودور محوري في النظام السياسي الصيني.
ويرى مراقبون أن التركيز الحالي على أموال الجيش يهدف أيضًا إلى قطع الطريق أمام أي شبكات مصالح تربط بين مسؤولين عسكريين وجهات اقتصادية أو صناعات مرتبطة بالدفاع، وهي علاقات طالما اعتُبرت بيئة خصبة لتفشي الفساد وتضارب المصالح.
وفي الوقت نفسه، تسعى السلطات إلى تعزيز آليات الرقابة والمحاسبة داخل المؤسسة العسكرية، عبر تشديد الإشراف المالي وتفعيل دور الأجهزة الرقابية والانضباطية، بما يضمن عدم تكرار هذه التجاوزات مستقبلاً.
وتؤكد الصين أن حملتها ضد الفساد العسكري ليست إجراءً مؤقتًا أو مرتبطًا بقضايا فردية، بل جزء من مسار طويل لإعادة هيكلة المؤسسة العسكرية على أسس من الانضباط والشفافية والولاء المطلق للدولة، في رسالة واضحة مفادها أن لا أحد فوق المحاسبة، حتى داخل الجيش.


