كتب : صفاء مصطفى... العرب نيوز اللندنية
تتجه بنغلاديش إلى لحظة تاريخية فاصلة في مسارها السياسي والاجتماعي مع استعدادها لإجراء أول انتخابات وطنية منذ الاضطرابات العارمة التي شهدتها البلاد في عام 2024، وهي اضطرابات قادها الطلاب والشباب وأدت إلى الإطاحة برئيسة الوزراء السابقة الشيخة حسينة بعد عقدين من حكمها المستمر، مما يمثّل محاولة لإعادة الحياة الديمقراطية إلى هذا البلد الواقع في جنوب آسيا، ويضع بنغلاديش في مفترق طرق جديد في تاريخها الحديث.
بعد انتهاء فترة الحملة الانتخابية التي استمرت حوالي ثلاثة أسابيع، تستعد بنغلاديش الآن لخوض استحقاق انتخابي حاسم من المقرّر أن يُقام في 12 فبراير 2026، وهو الأول منذ اندلاع الانتفاضة الطلابية التي تجاوزت مطالبها الأصلية بشأن الوظائف في القطاع العام وتحولت إلى حركة واسعة لمناهضة الفساد وسوء الحكم وطغيان السلطة.
إرث الانتفاضة وأهميتها
بدأت الاحتجاجات في يوليو 2024 بمطالب طلابية بسيطة، لكنها سرعان ما تحوّلت إلى موجة احتجاجات وطنية ضد نظام حسينة الذي اتهمه المحتجون بقمع المعارضة والتلاعب في الانتخابات وفساد واسع النطاق. ووفق تقديرات حقوقية، أدّت المواجهات بين المحتجين وقوات الأمن إلى سقوط ما يزيد عن ألف قتيل، مع انتشار واسع لمشاهد عنف الشرطة وتدخل الأجهزة الأمنية. في نهاية المطاف، قامت الحركة بإجبار حسينة على الاستقالة وهروبها إلى الهند في أغسطس 2024.
بعد رحيل حسينة، تم تأسيس حكومة انتقالية غير منتخبة برئاسة نوبل محمد يونس، الذي تبنى وعدًا بإجراء انتخابات حرة ونزيهة بعد إصلاحات واسعة في مؤسسات الدولة، بما في ذلك البنك المركزي والعدالة وهيئات الانتخابات لضمان نزاهة الاقتراع.
السياق السياسي للانتخابات
تمثل هذه الانتخابات، التي تأتي بعد فترة من الحكم المؤقت والإصلاحات، فرصة لإعادة إرساء النظام الديمقراطي في الدولة التي تحظى بأكثر من 170 مليون نسمة ويبلغ عدد الناخبين نحو 127 مليون شخص. وفي غياب حزب الرابطة الشعبية (Awami League) الذي قادته الشيخة حسينة ومنع من الترشح بسبب قرارات قضائية وحظر سياسي، تبرز تيارات سياسية جديدة وتقليدية تتنافس على الفوز وقيادة البلاد في المرحلة المقبلة.
أبرز القوى السياسية والمنافسة الانتخابية
يتصدر السباق حزب بنغلاديش القومي (BNP) بقيادة طارق رحمن، وهو زعيم بارز عاد من المنفى بعد سنوات طويلة، حيث طمح إلى إعادة الحزب إلى السلطة بعد أن ظل منافساً تقليديًا على الساحة السياسية. رحمن، الذي يتمتع بدعم قوي من قواعد حزبه، أعلن رفضه مقترح تشكيل حكومة وفاق وطني مع أحزاب أخرى، مؤكداً أن حزبه يسعى للفوز بأغلبية مريحة في البرلمان القادم.
على الطرف الآخر، برز حزب الجماعة الإسلامية (Jamaat-e-Islami) بقيادة شفيق الرحمن، وهو حزب كان محظورًا سابقًا ويعمل الآن في تحالف واسع يشمل أحزاباً صغيرة وعدداً من الشباب من حركة الاحتجاج، ما أكسبه زخمًا غير متوقع في الساحة السياسية، رغم الجدل حول بعض مواقفه المحافظة المثيرة للجدل.
كما يدخل حزب المواطن الوطني (National Citizen Party)، وهو حزب جديد نشأ من قيادة الاحتجاجات الطلابية، مع تحالفات انتخابية، في محاولة لترجمة الروح الثورية التي أطاحت بحسينة إلى قوة سياسية منظمة في البرلمان القادم.
التحديات الرئيسية في الانتخابات
تواجه بنغلاديش تحديات كبيرة في هذه الانتخابات، من بينها انتشار معلومات مضللة على الإنترنت مما يثير قلق المراقبين حول مدى تأثير الحملات الرقمية على نتائج الاقتراع، وقد أنشأت السلطات وحدة خاصة مكلفة بمواجهة التضليل الرقمي والتحقق من المحتوى في وسائل التواصل الاجتماعي.
كما يتصدر جدول القضايا الكبرى التي تشغل الناخبين مكافحة الفساد، معالجة التضخم، تحسين الوضع الاقتصادي، وخلق فرص العمل لشريحة الشباب التي مثلت القوة الدافعة وراء الانتفاضة التي أطاحت بحكومة حسينة.
طموحات وآمال الجمهور
يأمل كثير من المواطنين في أن تكون هذه الانتخابات بوابة لاستعادة الديمقراطية، وضمان حقوق الإنسان، ومحاربة الفساد بعد سنوات من الاحتقان السياسي والانقسامات العميقة. وبينما يشعر البعض بالتفاؤل والتطلع إلى مستقبل أفضل، هناك أيضاً مخاوف لدى قطاعات واسعة حول الاستقرار السياسي، تمثيل المرأة والأقليات، وتأثير التيارات الإسلامية في السياسة الوطنية.
ما الذي يعنيه هذا الاستحقاق؟
يشكل هذا الاقتراع، الأول منذ انتفاضة 2024، اختباراً حقيقياً للديمقراطية في بنغلاديش، حيث تواجه البلاد فرصة حاسمة لتحديد اتجاهها السياسي القادم بعد سنوات من التوترات والصراعات. وتشير التوقعات إلى أن نتائج هذا الاقتراع ستؤثر ليس فقط على مستقبل بنغلاديش داخليًا، بل أيضًا على موقعها الإقليمي ودورها في القضايا الاقتصادية والاستراتيجية في جنوب آسيا.


