كتب : صفاء مصطفى... العرب نيوز اللندنية
توجه الناخبون في بنغلاديش إلى صناديق الاقتراع، اليوم، في أول انتخابات عامة منذ الإطاحة برئيسة الوزراء السابقة الشيخة حسينة عام 2024، في تصويت يوصف بأنه محطة مفصلية لاختبار مستقبل الديمقراطية في الدولة الواقعة جنوب آسيا بعد سنوات من الاضطرابات السياسية والاحتجاجات الشعبية.
وتعد هذه الانتخابات الأولى منذ الانتفاضة الشعبية التي قادها طلاب وقطاعات واسعة من المجتمع، وأدت إلى إنهاء حكم حسينة الذي استمر أكثر من 15 عاماً، بعد موجة احتجاجات عنيفة شهدتها البلاد وأسفرت عن سقوط مئات القتلى، وانتهت باستقالتها ومغادرتها البلاد.
وتجري الانتخابات تحت إشراف حكومة انتقالية يقودها الحائز على جائزة نوبل للسلام محمد يونس، الذي تولى إدارة المرحلة المؤقتة بعد الإطاحة بالحكومة السابقة، مكلفاً بإعادة الاستقرار السياسي والإعداد لانتخابات يُفترض أن تعيد ترتيب المشهد السياسي في البلاد.
ويشارك في الاقتراع أكثر من 127 مليون ناخب لاختيار أعضاء البرلمان في 300 دائرة انتخابية، في واحدة من أكبر العمليات الانتخابية في تاريخ البلاد، وسط اهتمام داخلي ودولي واسع بمسار العملية الديمقراطية.
وتتنافس في هذه الانتخابات عدة قوى سياسية بارزة، في مقدمتها الحزب القومي البنغلاديشي، إضافة إلى أحزاب إسلامية وقوى سياسية أخرى، فضلاً عن حزب جديد أسسه طلاب الاحتجاجات الذين قادوا الانتفاضة الشعبية ضد الحكومة السابقة، في مشهد سياسي يعكس تغيراً ملحوظاً في موازين القوى.
وتجري الانتخابات وسط إجراءات أمنية مشددة، حيث تم نشر أعداد كبيرة من عناصر الأمن في مختلف أنحاء البلاد لتأمين مراكز الاقتراع، في ظل مخاوف من حدوث أعمال عنف أو اضطرابات خلال عملية التصويت، خصوصاً بعد سنوات من التوتر السياسي والصدامات بين أنصار القوى المتنافسة.
ويرى مراقبون أن هذا الاستحقاق الانتخابي يمثل اختباراً حقيقياً لقدرة بنغلاديش على العودة إلى مسار ديمقراطي مستقر، بعد اتهامات طالت الانتخابات السابقة بالتزوير والتضييق على المعارضة خلال حكم الشيخة حسينة، وهو ما كان أحد الأسباب الرئيسية التي فجرت الاحتجاجات الشعبية.
كما تأتي الانتخابات في ظل تغييرات سياسية كبيرة، أبرزها تراجع نفوذ حزب رابطة عوامي الذي قادته حسينة لسنوات، وصعود قوى سياسية جديدة تسعى إلى إعادة تشكيل المشهد العام، وسط دعوات لإصلاحات دستورية تعزز استقلال المؤسسات وتحد من تركيز السلطة.
ويأمل الناخبون أن تفتح الانتخابات الباب أمام مرحلة جديدة من الإصلاح السياسي والاقتصادي، بعد سنوات من الأزمات المرتبطة بالفساد والبطالة وتراجع الحريات، وهي ملفات كانت في صدارة مطالب المحتجين خلال الانتفاضة التي أطاحت بالحكومة السابقة.
وتشير تقديرات إلى أن ملايين الناخبين يشاركون للمرة الأولى في هذا الاقتراع، ما يعكس تحولاً ديموغرافياً وسياسياً قد يؤثر على نتائج الانتخابات واتجاهات التصويت، في ظل صعود جيل شاب لعب دوراً رئيسياً في الاحتجاجات التي غيرت المشهد السياسي في البلاد.
وتبقى الأنظار متجهة إلى نتائج الاقتراع، التي ستكشف ما إذا كانت البلاد قادرة على تجاوز إرث الصراعات السياسية والانقسامات الداخلية، والدخول في مرحلة جديدة من الاستقرار والديمقراطية، أم أن التحديات الأمنية والسياسية ستظل تلقي بظلالها على مستقبل الدولة في السنوات المقبلة.


