كتب : صفاء مصطفى... العرب نيوز اللندنية
أطلقت وكالة ناسا الأمريكية بنجاح مهمة أرتميس 2 من مركز كينيدي للفضاء في فلوريدا، في حدث تاريخي يُعد أول رحلة فضاء مأهولة تتجه نحو محيط القمر منذ أكثر من 54 عامًا، في خطوة تمهّد لمرحلة جديدة من استكشاف الفضاء العميق وربما إقامة وجود بشري دائم على سطح القمر.
عودة البشر إلى عمق الفضاء
انطلقت مركبة أوريون الفضائية على متن الصاروخ العملاق Space Launch System (SLS) مساء 1 أبريل 2026، حاملة على متنها أربعة رواد فضاء — ثلاثة أمريكيين ورائد كندي — في مهمة تستمر نحو 10 أيام حول القمر قبل العودة إلى الأرض.
هذه الرحلة التاريخية تأتي بعد غياب طويل منذ آخر مهمة مأهولة إلى القمر ضمن برنامج أبولو في عام 1972، وهي ليست مجرد تكرار تاريخي، بل خطوة عملية نحو تحقيق أهداف أوسع في استكشاف الفضاء الخارجي.
بداية عصر جديد في استكشاف الفضاء
تُعد مهمة أرتميس 2 جزءًا من برنامج أرتميس الذي تقوده ناسا، ويهدف إلى إعادة البشر إلى القمر تمهيدًا لشكل أكثر استدامة من التواجد البشري هناك، وربما إقامة قاعدة دائمة بحلول عام 2028، مع أهداف أبعد تمتد إلى مهمة مأهولة للمريخ في المستقبل.
رغم أن المهمة الحالية لن تشمل هبوطًا على سطح القمر، فإنها تمثل اختبارًا شاملاً لأنظمة المركبة وأنظمة دعم الحياة في بيئة الفضاء العميق، بما يضع الأساس للمهام القادمة التي ستتضمن هبوطًا بشريًا فعليًا.
شروق الأرض من خلف القمر بعد نصف قرن
من أبرز ما ينتظره العلماء والجمهور في هذه الرحلة هو إمكانية رؤية شروق كوكب الأرض من خلف أفق القمر — منظر لم يشهده البشر منذ بعثات أبولو في السبعينيات، ولا يزال أحد أكثر الصور الرمزية تأثيرًا في تاريخ استكشاف الفضاء.
في ديسمبر 1972، التُقطت آخر صورة للأرض من القمر خلال مهمة أبولو 17، وقد أصبحت تلك الصورة رمزًا قويًا لوحدة كوكبنا في الفضاء. ومع أرتميس 2، يتطلع العلماء إلى التقاط صور جديدة مماثلة وربما أفضل، مستفيدين من تقنيات تصوير حديثة لم تكن متاحة في زمن أبولو.
طاقم مهمة أرتميس 2 وتاريخ رمزي
يتألف طاقم أرتميس 2 من أربعة رواد فضاء — ثلاثة من الولايات المتحدة وواحد من كندا — يمثلون تنوعًا غير مسبوق في بعثات فضائية بهذا الحجم، مما يضيف بعدًا رمزياً للمهمة بجانب بعدها العلمي والتقني.
هذه المهمة لا تُعد فقط إعادة للبشر إلى مدار القمر، بل أيضًا اختبار قدرة الإنسان على العمل في بيئات الفضاء التي تتمتع بجاذبية شبه معدومة وإشعاعات عالية؛ وهي ظروف تختلف كثيرًا عن تلك التي تواجه رواد محطة الفضاء الدولية.
لماذا هي مهمة محورية؟
يرى الخبراء أن أرتميس 2 ليست فقط إعلانًا عن عودة إلى القمر، ولكنها تلعب دورًا مهمًا في اختبار الأنظمة التكنولوجية والبيولوجية التي ستكون ضرورية للبعثات المستقبلية، بما في ذلك محاولة الهبوط على القمر في مهمة أرتميس 4 التي يُتوقع أن تكون بحلول 2028، قبل أن تتجه الأنظار نحو المريخ.
كما تمثل هذه الرحلة أيضًا استعادة الولايات المتحدة لموقعها القيادي في سباق الفضاء العالمي، في مواجهة برامج فضائية أخرى تتطلع للوصول إلى القمر وربما خارجه.
خطوة رمزية وعلمية نحو المستقبل
تبقى أرتميس 2 علامة بارزة في تاريخ الإنسانية؛ ليست فقط لأنها تعيد البشر إلى جوار القمر بعد نصف قرن، بل لأنها تفتح آفاقًا جديدة لاستكشاف الفضاء، وتجمع بين الطموح العلمي والرؤية الاستراتيجية لمسار طويل يمتد إلى أبعد من ذلك بكثير.
بذلك، لا يخوض البشر رحلة إلى القمر فحسب، بل يبدأون صفحة جديدة من حكاية طويلة قد تنتهي يومًا ما بوجود بشري دائم خارج كوكب الأرض.


