كتب : صفاء مصطفى... العرب نيوز اللندنية
تمثل بئر الروحاء واحدة من أبرز المعالم التاريخية على الطريق الذي كان يربط بين المدينة المنورة ومكة المكرّمة، وهو الطريق الذي سلكته القوافل والحجاج منذ قرون طويلة. تقع البئر في وادي الروحاء جنوب غرب المدينة المنورة، وتعتبر محطة حيوية ضمن شبكة المواصلات القديمة التي اعتمدت على موارد المياه الطبيعية كمحدد رئيسي لمسارات الرحلات والتنقل عبر الصحراء.
وقد ورد ذكر بئر الروحاء في كتب السيرة والرحلات باعتبارها منازل الطريق، حيث كانت القوافل تتوقف عندها لتزويد الإبل بالماء والراحة قبل مواصلة الطريق الطويل عبر الصحاري. وعليه، أصبحت البئر محطة لا غنى عنها، ليس فقط لتلبية حاجات القوافل اليومية، بل أيضًا لتأمين مرور الحجاج والتجار بين مكة والمدينة.
ويرتبط اسم بئر الروحاء بسيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، حيث عبر النبي هذه النقطة في بعض أسفاره التاريخية، ومن أبرزها خروجه إلى غزوة بدر، ما أضفى على الموقع بُعدًا دينيًا هامًا إلى جانب قيمته التاريخية والجغرافية. وبفضل هذه الروابط، أصبحت البئر محطةً معروفة ومذكورة في كتب التاريخ والسيرة، وتعتبر شاهدًا حيًا على الحركة التجارية والدينية في الجزيرة العربية قبل عصر النقل الحديث.
تلعب بئر الروحاء دورًا محوريًا في تشكيل طرق الهجرة والحج والتجارة القديمة، إذ كانت تمثل نقطة ارتكاز للقوافل العابرة للصحراء، وكانت توفر مكانًا للاستراحة وتجهيز الموارد الأساسية مثل الماء والغذاء. وكانت هذه الموارد الطبيعية سببًا رئيسيًا في تحديد مسارات السفر بين المدن الكبرى مثل مكة والمدينة، كما ساعدت في حماية المسافرين من أخطار الصحراء والجفاف.
ولم يقتصر دور البئر على الوظيفة المادية فحسب، بل امتدت أهميتها لتكون ذاكرة تاريخية حية، تعكس حركة الشعوب والحجاج والتجار عبر العصور. فبفضل مواقع مثل بئر الروحاء، تمكنت المجتمعات القديمة من إقامة طرق تجارية ودينية آمنة، ساهمت في تعزيز التواصل الثقافي والتبادل التجاري بين مختلف مناطق الجزيرة العربية.
واليوم، تظل بئر الروحاء رمزًا تاريخيًا ودينيًا، يمثل جسراً بين الماضي والحاضر، ويعيد إلى الأذهان حجم التحديات التي واجهها المسافرون عبر الصحارى والطرق الطويلة، وقيمتها كجزء من التراث الحضاري والثقافي للمملكة العربية السعودية. إنها ليست مجرد نقطة مياه، بل شاهد حي على تاريخ الإسلام والحركة البشرية في الجزيرة العربية، ومكان يروي قصص القوافل والحجاج الذين مروا على هذه الأرض قبل مئات السنين.


