كتب : الإعلامية الدكتورة/ شيماء الشافعي
كنانة الله.. فيها يسكن التاريخ
قفوا جميعاً
اخلعوا نعالكم فأنتم على أرض مصر.
هنا توقف الزمن ليكتب أول سطر في كتاب الحضارة. هنا نزل الوحي، ومشى الأنبياء، ونطق الحجر.
هنا كنانة الله في أرضه التي إذا تكلمت أسكتت الدنيا وإذا صمتت أنصت لها التاريخ كله.
هذا اعتراف حب وقسم ولاء مكتوب بالدم.
في حب مصر لا تكفي القصائد ولا تفي الكلمات لأنها ليست وطناً نسكنه بل وطن يسكننا.
لا نبحث عن سبب لحبها فالحب لا يُعلَّل.
نحبها بترابها الذي مشى عليه الأنبياء فباركوه وبنيلها الذي علمنا معنى العطاء دون مقابل منذ فجر التكوين.
نحبها بشعبها الذي يضحك رغم الجرح ويقاوم رغم التعب وينهض من تحت الرماد ألف مرة وكأنه طائر العنقاء.
نراها أماً تحملنا صغاراً وتحمينا كباراً.
تغضب علينا أحياناً ونغضب منها أحياناً لكننا لا نستطيع النوم إلا في حضنها.
نعاتبها كما يعاتب الابن أمه لكن ويل لمن يمسها بسوء أمامنا.
نفهم معنى الخلود سبعة آلاف سنة من الحضارة لا تمر على أرض عبثاً.
فكل حجر في الأقصر يحكي سراً وكل عمود في الكرنك يشهد على عظمة وكل نخلة في سيناء تروي قصة فداء وكل موجة في الإسكندرية تهمس هنا بدأ كل شيء.
نحن لسنا دولة لها تاريخ نحن تاريخ له دولة.
نحن الحرف الأول في كتاب البشرية وأول سطر في دفتر العلم.
فيها تعلمنا معنى البقاء
مرت عليها الهكسوس والفرس والرومان والتتار والاستعمار.
سقط الغزاة وبقيت هي.
تكالبت عليها الأيدي فدفنت كل يد حاولت كسرها وابتلعت كل طاغية ظن أنه قادر عليها.
فمصر لا تموت قد تمرض لكنها لا تموت لأن سرها في شعبها.
شعب إذا جاع شبع بالكرامة وإذا ظُلم سامح وإذا نادته بلده لبى بدمه قبل روحه.
في مصر نعيش المعجزة كل يوم نرى التناقض الجميل،صخب القاهرة وهدوء النوبة، زحام المترو ونسمة البحر، ضجيج الحواري وكرم البيوت المفتوحة.
نرى العلم في جامعاتها والإيمان في مساجدها وكنائسها والأمل في عيون أطفالها.
نشكو منها كل يوم ولا نطيق فراقها ساعة.
نؤمن أن القادم أجمل لأنها وعد الله في أرضه ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين.
ولأنها كنانة الله في أرضه ولأن فيها خير أجناد الأرض الذين إذا أرادوا قالوا للدنيا كوني فتكون.
قد نتعثر، قد نتأخر، قد نتألم، لكننا لا نضيع..فمن كان الله معه كيف يضيع؟ ومن كانت مصر أمه كيف ينكسر؟
فيا مصر، يا كنانة الله، يا كل العمر، يا أول الحب وآخره.
نقف أمامك اليوم لا لنمدحك فأنتِ أكبر من كل مديح بل لنجدد العهد.
سامحينا إن قصرنا واغفري لنا إن نسينا فنحن أبناؤك قبل أن نكون أي شيء.
نحملك في قلوبنا جواز سفر لا ينتهي ووشم حب لا يُمحى ودعاء لا ينقطع.
نقسم برب العزة أننا لا نقول نحبك فقط بل نحيا بكِ ومن أجلكِ وعلى أرضكِ نموت.
فإذا سألونا عن الوطن قلنا مصر. وإذا سألونا عن الكرامة قلنا مصر. وإذا سألونا عن الحياة قلنا مصر.
فأنتِ البداية التي لا تُنسى وأنتِ النهاية التي نشتهيها وأنتِ كل الحكاية.
عاشت مصر كنانة الله حرة أبية.. وعاش شعبها العظيم.

