كتب : دكتورة _ سلوى زكي
ماذا لو.. كانت السعودية هي الدولة التي تمنع الشرق الأوسط من الانفجار..
عندما تشتعل الحرب بين إيران وإسرائيل، لا تتجه أنظار العالم إلى ساحات القتال وحدها، بل تتجه أيضًا إلى الرياض فالمملكة العربية السعودية ليست طرفًا مباشرًا في الحرب، لكنها أصبحت واحدة من أكثر الدول تأثيرًا في رسم مستقبل المنطقة، لأن أي قرار سعودي اليوم لا ينعكس على الداخل السعودي فقط، بل يمتد أثره إلى الخليج والعالم وأسواق الطاقة وحركة التجارة الدولية.
السؤال الذي يفرض نفسه الآن هو: لماذا أصبحت السعودية بهذه الأهمية؟
الإجابة تبدأ من الجغرافيا، لكنها لا تنتهي عندها.
تقع المملكة في قلب الخليج العربي والبحر الأحمر، وتملك أطول السواحل العربية تقريبًا، وتشرف على أهم طرق التجارة والطاقة في العالم. ولذلك فإن أي اضطراب أمني في المنطقة يجعل السعودية في قلب المعادلة السياسية والاقتصادية.
السعودية… قلب الطاقة العالمية
رغم تنوع الاقتصاد السعودي، ما زالت المملكة أكبر مصدر للنفط في العالم وأحد أكبر المنتجين داخل تحالف “أوبك+”.
وهذا يعني أن أي تصعيد عسكري مع إيران يضع المملكة أمام مسؤولية مزدوجة؛ فهي مطالبة بحماية منشآتها النفطية، وفي الوقت نفسه الحفاظ على استقرار سوق الطاقة العالمي.
العالم يدرك أن ارتفاع أسعار النفط لا يؤثر على الوقود فقط، بل يمتد إلى أسعار الغذاء والنقل والصناعة والشحن، ولذلك تصبح كل خطوة سعودية محل متابعة من الأسواق العالمية.
كما تمتلك السعودية طاقة إنتاجية احتياطية تجعلها من الدول القليلة القادرة على زيادة الإنتاج إذا تعرضت الإمدادات العالمية لأي نقص، وهو ما يمنحها ثقلاً اقتصاديًا وسياسيًا كبيرًا.
ماذا لو استغنت السعودية نهائيا عن مضيق هرمز…
رغم ان بيمر جزء كبير من صادرات النفط العالمية عبر مضيق هرمز، وأي تهديد للملاحة فيه يرفع تكاليف الشحن وأسعار التأمين ويؤثر في التجارة الدولية.
لذلك استثمرت المملكة خلال السنوات الماضية في خطوط الأنابيب التي تنقل النفط إلى موانئ البحر الأحمر، حتى تتمكن من تصدير جزء من إنتاجها بعيدًا عن أي اضطرابات محتملة في الخليج وهذا ليس مجرد مشروع اقتصادي، بل استراتيجية لحماية الاقتصاد السعودي والاقتصاد العالمي معًا.
الموانئ السعودية… من مرافئ محلية إلى مراكز عالمية
خلال السنوات الأخيرة، تحولت الموانئ السعودية إلى أحد أهم عناصر رؤية المملكة 2030.
فموانئ مثل جدة الإسلامية، والملك عبدالعزيز بالدمام، وينبع، ورأس الخير، والجبيل، لم تعد مجرد موانئ لتصدير النفط، بل أصبحت مراكز لوجستية تستهدف الربط بين آسيا وإفريقيا وأوروبا.
وفي أوقات الأزمات، تزداد أهمية هذه الموانئ لأنها تمثل بدائل آمنة لحركة التجارة العالمية، خاصة عبر البحر الأحمر.
ولهذا فإن استقرار السعودية يعني استمرار تدفق السلع والبضائع إلى عشرات الدول.
المطارات السعودية… شريان النقل الجوي
الحرب لا تؤثر على النفط فقط، بل تمتد إلى الطيران المدني.
فعندما تغلق بعض الدول مجالاتها الجوية، تضطر شركات الطيران إلى تغيير مساراتها، مما يزيد زمن الرحلات وتكاليفها.
وهنا تلعب المطارات السعودية دورًا مهمًا باعتبارها من أكبر مراكز الطيران في المنطقة، سواء لنقل المسافرين أو البضائع.
ومع توسع مطارات الرياض وجدة والدمام ومشروعات المطارات الجديدة، تسعى المملكة لأن تصبح مركزًا عالميًا يربط بين القارات الثلاث.
السعودية ودول الخليج… مسؤولية تتجاوز الحدود
أي أزمة إقليمية لا تؤثر على دولة خليجية واحدة، بل على المنظومة الخليجية بأكملها.
لذلك تعمل السعودية بالتنسيق مع بقية دول مجلس التعاون الخليجي لتعزيز أمن الحدود، وحماية الملاحة، وتأمين منشآت الطاقة، والحفاظ على استقرار الأسواق.
فالاقتصادات الخليجية مترابطة، والاستثمارات متداخلة، وأي اضطراب في دولة ينعكس سريعًا على بقية الدول.
ماذا لو حققت السعودية رؤية 2030بالاستقرار..
تسعي السعودية على تنفيذ أحد أكبر برامج التحول الاقتصادي في العالم.
فالمملكة تستثمر مئات المليارات في مشروعات كبرى، ومدن ذكية، وصناعات متقدمة، وسياحة، وتكنولوجيا، وطاقة متجددة.
لكن هذه المشروعات تحتاج إلى بيئة مستقرة وآمنة.
فالمستثمر العالمي يبحث أولًا عن الاستقرار قبل الأرباح، والسائح يختار الوجهات الآمنة، والشركات الدولية تفضل الدول القادرة على حماية سلاسل الإمداد.
لذلك فإن حماية الاستقرار الإقليمي أصبحت جزءًا من حماية مستقبل الاقتصاد السعودي نفسه.
الدور الدبلوماسي… لغة التهدئة
إلى جانب قوتها الاقتصادية، تحاول المملكة الحفاظ على قنوات التواصل مع مختلف القوى الإقليمية والدولية، لأن استمرار الحروب لا يخدم خطط التنمية في المنطقة.
فكلما طال أمد الصراع، زادت المخاطر على الاستثمار والتجارة والطاقة، ولذلك تبرز أهمية الجهود الدبلوماسية لتقليل التصعيد وفتح المجال أمام الحلول السياسية.
ماذا يعني كل هذا للمواطن الخليجي؟
قد يعتقد البعض أن الحرب شأن سياسي بعيد عن حياته اليومية، لكن الحقيقة مختلفة.
فاستقرار المنطقة يعني استقرار الوظائف، واستمرار المشروعات، وثبات أسعار السلع، وحماية الاستثمارات، والحفاظ على حركة السفر والتجارة.
أما إذا اتسعت دائرة الصراع، فقد ترتفع تكاليف المعيشة، وتتأثر الأسواق، وتتباطأ المشروعات الاقتصادية.
ولهذا فإن الدور السعودي لا يتعلق فقط بحماية حدود المملكة، بل يمتد إلى حماية الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في الخليج بأكمله.
من هنا يتضح ان لم تعد السعودية تُقاس فقط بحجم إنتاجها النفطي، بل بقدرتها على التأثير في موازين السياسة والاقتصاد والأمن الإقليمي فهي اليوم لاعب رئيسي في أسواق الطاقة، ومحور للتجارة العالمية، ومركز لوجستي متصاعد، وشريك أساسي في أمن الخليج، وصاحبة مشروع اقتصادي ضخم يراهن على الاستقرار والتنمية.
ولهذا، فإن السؤال الحقيقي لم يعد: ما دور السعودية في الحرب؟
بل أصبح: إلى أي مدى يمكن للشرق الأوسط أن يحافظ على استقراره إذا غاب الدور السعودي في إدارة الأزمات وتهدئة المنطقة؟

