كتب : الدكتوره / هبه محمد الحسيني
ماهيه قياس الأثر التشريعي.. بين التشريعات القانونيه
مع تزايد الحاجة إلى تطوير البنية التشريعية وتحسين بيئة الأعمال، برزت أهمية “قياس الأثر التشريعي” كأداة منهجية لتقييم جدوى القوانين قبل إصدارها وبعد تطبيقها. هذه الرؤية كانت محور ورشة العمل التي نظمتها كلية القانون بالجامعة البريطانية في مصر تحت عنوان «قياس الأثر التشريعي»، في إطار التوجه نحو الانفتاح على المؤسسات الأكاديمية والبحثية لدعم الفكر القانوني ونشر المعرفة المتخصصة.
لم تكن الورشة لقاءً أكاديميًا عابرًا، بل شكلت منصة حوار مباشر جمعت بين أساتذة الجامعات، والقضاة، وأعضاء البرلمان، وقيادات بعض المنظمات المعنية، لبحث سبل الارتقاء بجودة التشريعات. وقد مثّلت الجامعة البريطانية في مصر نموذجًا رائدًا في خلق هذا التلاقي بين النظرية والتطبيق، بين من يصوغ القانون ومن يتولى تطبيقه.
وخلصت النقاشات إلى نتيجة محورية: لا يمكن فصل قياس الأثر التشريعي عن مبدأ الثبات التشريعي. فالقياس ليس دعوة للتغيير المستمر، وإنما وسيلة لمعرفة ما إذا كان النص القانوني يحقق الغاية التي صِيغ من أجلها. فالقانون الفعّال هو الذي يُقاس أثره على أرض الواقع، وتُصحح مساراته بناءً على بيانات واضحة، لا على اجتهادات نظرية فقط.
كما احتلت مسألة التوازن بين التحديث والاستقرار مساحة واسعة من النقاش. فالتشريعات مطالبة بمواكبة المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية والتكنولوجية المتسارعة، لكنها مطالبة أيضًا بالحفاظ على الاستقرار الذي يمنح الأفراد والمؤسسات اليقين القانوني ويحمي مراكزهم القانونية المكتسبة. وهنا تظهر قيمة قياس الأثر كجسر يربط بين المرونة المطلوبة والاستقرار الواجب.
ومن أبرز المداخلات التي أثارت النقاش، ما طُرح حول مدى كفاية التشريعات الحالية لجرائم أمن المعلومات في مواجهة التحديات التي تفرضها تقنيات الذكاء الاصطناعي. فالجرائم الرقمية تتطور بسرعة تفوق أحيانًا سرعة المشرّع، والسؤال المطروح هو:
هل تملك أدواتنا التشريعية القدرة على استباق “الوحش القادم”؟
والإجابة تكمن في إدماج آليات قياس الأثر ضمن دورة صناعة التشريع ذاتها، بحيث يصبح التقييم جزءًا من عملية الصياغة وليس مراجعة لاحقة فقط. هذا يمكّن من استشراف النتائج المتوقعة وتقليل الآثار السلبية المحتملة قبل أن تتحول إلى مشكلات واقعية.
ختاما … يمكن القول إن قياس الأثر التشريعي لم يعد خيارًا ترفيهيًا أو إجراءً شكليًا، بل أصبح ضرورة حاكمة لضمان بقاء القانون أداة فاعلة في خدمة المجتمع والاقتصاد. فالتشريع الجيد لا يُقاس بحسن صياغته اللغوية فقط، بل بقدرته على تحقيق أثر إيجابي ملموس على أرض الواقع.
عدد المشاهدات: 0

